مدخل الى تاريخ التشيع في تونس - البناني، عبد الحفيظ - الصفحة ٥٦
وإن هذه العظمة كانت مثال إعجاب العقلاء و الحكماء من جميع الملل والنحل و الأديان عبر العصور .
وحتّى أعداء علي لم يتمالكوا من التأثر والإعجاب به. فهاهو معاوية، كما تذكر بعض الروايات، يبكي حينما يسمع ضرار بن ضمرة الكناني وهو يصف أمير المؤمنين عليه السلام.
قال ضرار : « كان بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطلق الحكمة من لسانه، يستوحّش من الدنيا وزهرتها، ويأنس باللّيل ووحشته، كان غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب [أي تغيّر] .
وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ونحن والله مع قربه منّا لا نكاد نكلّمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدّين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضّعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا، إليّ تعرّضت، أم لي تشوّقت ؟! هيهات هيهات غرّي غيري! قد أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير. آه من قلّة الزّاد، وبعد السّفر، ووحشة الطّريق »[١] !
[١] المصدر السابق : ( ص: ٥٠٤ . ٥٠٥ ) .