مدخل الى تاريخ التشيع في تونس - البناني، عبد الحفيظ - الصفحة ١٧٥
ومن ذلك أنّه عاملهم بالوقار، والتهيّب، فلم ير فيهم ضاحكاً ولا ممازحاً، ولا يسمع يقول هجراً، ولا عبثاً، ولا باطلاً. ولم يكن مع ذلك بالعبوس المنقبض ولا بالطّلق المنبسط، ولكنّه كان متوسّطاً بين الأمرين : لا يبسطهم فيبطرهم، إن نطق بحقّ، وصواب وحكمة، وإن صمت، صمت بوقار، وحلم وهيبة، ولا ينقبض عنهم، فيوحشهم وينفرهم. وكان يشاورهم، ويخليهم ويسرّ إليهم، ويدنيهم على قدر مواضعهم واستحقاقهم، ويقدّم أهل الدين والسوابق الصالحة منهم.
ومن ذلك أنّه كان يتعاهدهم بالوصايا والتذكرة، ويكرّر عليهم المواعظ والحكمة، ويجمع لذلك، ويجلس لهم أكثر أيّامه، ويأمر من أطلقه من الدعاة بذلك، ويربّيه عليه. فكانت أيّامهم أكثرها مشاهد، وسماع مواعظ.
فكان أبو عبد الله سبباً من الخير سبّبه الله لهم، وباباً من البركة فتحه الله عليهم، وسعادة ساقها إليهم، وبصّرهم به من الجهالة، وهداهم من الضّلالة، وأوسع به عليهم في النعمة »[١] .
ثمّ إنّ أبا عبد الله استطاع وخلال فترة وجيزة تحقيق إنجاز عسكري كبير انتهى بالقضاء على دولة بني الأغلب بعد معارك طاحنة أبلى فيها البربر (الشيعة) البلاء الحسن.
وكان دخول أبي عبد الله إلى إفريقية فاتحاً « يوم السبت غرّة رجب سنة٢٩٦ ست وتسعين ومائتين... »[٢] .
[١] المصدر السابق (ص: ١٢٢-١٣٢ ).
[٢] المصدر السابق (ص: ٢٤٥).