مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٤١
ويؤيده ما رواه الكليني في الكافي عن منصور بن حازم قال: قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام): إني ناظرت قوماً فقلت لهم: إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه بل العباد يعرفون به، فقال رحمك الله، وما رواه الصدوق في التوحيد أن الجاثليق سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) هل عرفت الله بمحمد أم عرفت محمداً بالله؟ فقال (عليه السلام): ما عرفت الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) بل عرفت محمداً بالله عزّوجلّ حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض، فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة كما ألهم الملائكة طاعته وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف الحديث. (السابع) قال المحدث الكاشاني معنى قوله (عليه السلام): اعرفوا الله بالله انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى الله سبحانه بعد ما أثبتم أن لها رباً صانعاً فاطلبوا معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره وقيموميته إياها وتسخيره لها وإحاطته بها وقهره لها، حتى تعرفوا الله بهذه الصفات القائمة به ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها، أعني من حيث أنها أشياء لها ماهيات لا يمكن أن توجد بذواتها; بل مفتقرة إلى موجد يوجدها، فانكم إذا نظرتم اليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالأشياء فلن تعرفوه إذاً حق المعرفة، فإن معرفة مجرد كون الشيء مفتقر اليه في وجود شيء ليست بمعرفة في الحقيقة، على أن ذلك غير محتاج اليه لما عرفت أنها فطرية بخلاف النظر الأول فانكم تنظرون في الأشياء أولا إلى الله عزّوجلّ وآثاره من حيث هي آثاره، ثم إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها، فإنا إذا عزمنا على أمر مثلا وسعينا في إمضائه غاية السعي، فلم يكن علمنا أن في الوجود شيئاً غير مرئى الذات يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبينه، وعلمنا أنه غالب على أمره وأنه مسخر للأشياء على حسب مشيته، ومدبر لها بحسب إرادته وأنه منزه عن صفات أمثالنا، وهذه صفات يعرف بها صاحبها حق المعرفة، فاذا عرفنا الله عزّوجلّ بهذا النظر فقد عرفنا الله بالله.
|