مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٣٨٤
أعطاك الله عزّوجلّ الفضيلة بالقرابة من نبينا (صلى الله عليه وآله) وأسعدك بأن جعلك أخاه، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضلك بالمواقف التي باشرتها، والأهوال التي ركبتها، وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه مما لم تذكره، ومما ليس لأحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبينا ومن شهدك بعده، فأخبرنا ياأمير المؤمنين ما امتحنك الله عزّوجلّ به بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) فاحتملته وصبرت، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علماً منا به وظهوراً منا عليه، إلاّ أنا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه، فقال (عليه السلام):
ياأخا اليهود إن الله عزّوجلّ امتحنني بعد وفاة نبيه (صلى الله عليه وآله) في سبعة مواطن فوجدني فيهن ـ من غير تزكية لنفسي ـ بمنه ونعمته صبوراً.
أمّا أولهن ياأخا اليهود فانه لم يكن خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به أو اعتمد عليه أو استقيم إليه أو أتقرب به غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو رباني صغيراً وبوأني كبيراً وكفاني العيلة، وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب، ووقاني الكسب، وعال لي النفس والولد والأهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله عزوجل، فنزل بي عن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عفوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبدالمطلب بين معز يأمر بالصبر، وبين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، ولا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هايج زفرة ولا لاذع حرقة ولا جزيل مصيبة حتى