مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ١٣٥
والكفر في هذه الآية البراءة، يقول: فيتبرّأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}[١] وقول إبراهيم خليل الرحمن: {كَفَرْنَا بِكُمْ}[٢] يعني تبرّأنا منكم، ثمّ يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه ويبكون فيه، فلو أنّ تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم، ولتصدّعت قلوبهم إلاّ ما شاء الله، فلا يزالون يبكون الدم، ثمّ يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}[٣] فيختم الله تبارك وتعالى على أفواههم، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود، فتشهد بكلّ معصية كانت منهم، ثمّ يرفع عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: {لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء}[٤].
ويجتمعون في موطن آخر فيستنطقون، فيفرّ بعضهم من بعض، فذلك قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}[٥] فيستنطقون فلا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً، فتقوم الرسل ـ صلّى الله عليهم ـ فيشهدون في هذا الموطن، فذلك قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاَءِ شَهِيداً}[٦].
ثمّ يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمّد (صلى الله عليه وآله) وهو المقام المحمود، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثنِ عليه أحد قبله، ثمّ يثني على الملائكة كلّهم، فلا يبقى ملك إلاّ أثنى عليه محمّد (صلى الله عليه وآله)، ثمّ يثنِ على الرسل بما لم يثنِ عليهم أحد مثله، ثمّ يثني
[١] إبراهيم: ٢٢.
[٢] الممتحنة: ٤.
[٣] الأنعام: ٢٣.
[٤] فصلت: ٢١.
[٥] عبس: ٣٤-٣٦.
[٦] النساء: ٤١.