شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ١٤٣ - فصل ذكر ما ظهر في بني إسرائيل من أمارات نبوة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)
فقال له عفان: يا بلوقيا ليس هذا زمان محمد (صلى الله عليه و سلم) و أمته، و إن بينك و بينه سنين و قرونا كثيرة، ثم قال له: يا بلوقيا أتدلني على الحية التي تسمى بليخا فإنا إن قدرنا على صيدها رجونا أن ننال ملكا عظيما و نحيا إلى أن يبعث اللّه محمدا (صلى الله عليه و سلم) فإذا بعثه دخلنا في دينه و اتبعناه و آمنا به، فحمل بلوقيا حرصه على الإسلام و دخوله في دين محمد (صلى الله عليه و سلم) أن قال له:
أنا أدلك على المكان الذي فيه بليخا.
و كان عفان قد قرأ الكتب و أحكمها فاتخذ تابوتا من حديد و كوزين من فضة فملأ إحدى الكوزين خمرا و الأخرى لبنا ثم وضعهما في التابوت، ثم سارا جميعا حتى انتهيا إلى الجزيرة التي فيها تلك الحية ففتحا التابوت و وضعاه و تركا رأس الكيزان مفتوحة و تنحيا ناحية، فجاءت الحيّة- ملكة الحيات- فدخلت التابوت فشربت الخمر و اللبن فسكرت و نامت في التابوت فقام عفان فدبّ إلى التابوت دبيبا خفيا فأغلق باب التابوت عليها و حمله تحت حضنه و إبطه ثم مضيا و سارا جميعا فجعلا لا يمران بشيء من شجر و لا حجر و لا مدر و لا حشيش و لا زيتونة و لا نبت إلا كلمتهما بإذن اللّه و وصفت ما فيهن من النفع و الضر و الداء و الدواء.
فبينا هما يسيران إذ انتهيا إلى شجرة يقال لها: الفريصة فنادتهما تلك الشجرة: يا عفان من يأخذني فيقطعني و يأخذ ورقي و يدقني و يعصر دهني و يطلي بين قدميه من حيث شاء فيجوز البحار السبع و لا تبتل قدماه بإذن اللّه و لا يغرق، فقال عفان: لك أردت، و إياك طلبت، فدنا من تلك الشجرة فقطع من أغصانها فدقها و عصر دهنها و جعله في إحدى الكوزين، ثم خلّا عن الحية فطارت الحية بين السماء و الأرض و هو يقول: يا بني آدم ما أجرأكما على اللّه فلا تصلا إلى ما تريدان، و ذهبت الحية.