شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٧٦ - باب في ذكر رضاع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)
قالت حليمة: فكان ثديي الأيمن لمحمد (صلى الله عليه و سلم) و الأيسر لابني ضمرة، و كان ابني لا يشرب أبدا حتى ينظر إلى محمد (صلى الله عليه و سلم) قد شرب، فحملته فأتيت به صاحبي فلما أن نظر إليه خر ساجدا و قال: أبشري يا حليمة فما رجع خلق إلى البلاد أغنى منا، قالت: فدعتني أمه، و قالت:
انظري فدتك نفسي أن لا تخرجي أبدا من بطحاء مكة حتى تعلميني، فإن لي وصايا أوصيك بها، قالت حليمة: فبات عندي محمد (صلى الله عليه و سلم) ثلاث ليال، فلما كان في الليلة الثالثة انتبهت في بعض الليل لأقضي حاجة و أصلح شيئا من شأني فإذا برجل عليه ثياب خضر يتألق نورا قاعدا عند رأسه يقبل بين عينيه، قالت: فنبهت صاحبي رويدا رويدا و قلت: انظر إلى العجب العجيب، قال: اسكتي و اكتمي شأنك، فمنذ ليلة مولد هذا الغلام قد أصبحت أحبار الدنيا قياما على أقدامها لا يهنأ لها عيش النهار و لا نوم الليل، و ما رجع أحد من البلاد أغنى منا.
قالت: فلما كان في اليوم الثالث ودع الناس بعضهم بعضا، و ودعت آمنة ثم ركبت أتاني، و حملت النبي (صلى الله عليه و سلم) بين يدي، قالت:
فكنت أنظر إلى الأتان تسجد ثلاث سجدات نحو الكعبة و ترفع رأسها إلى السماء، ثم مرّت حتى سبقت دواب القوم و رحالهم، فكان النساء يتعجبن مني و ينادينني من ورائي: يا بنت أبي ذؤيب أ ليست هذه أتانك التي ركبتها و أنت جائية معنا من البلاد فكانت تخفضك طورا و ترفعك- و قال السهيلي في الروض [١/ ١٨٧]: ذكر غير ابن إسحاق في حديث الرضاع أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان لا يقبل إلا على ثدي واحد، و تعرض عليه الآخر فيأباه، كأنه قد أشعر أن معه شريكا في لبنها، فكان مفطورا على العدل، مجبولا على جميل المشاركة و الفضل.