وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٢ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
برجال الصحيح عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه: ثم سرنا فنزلنا منزلا، فنام النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: هي شجرة استأذنت ربها عز و جل أن تسلم على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فأذن لها. فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم صلى الله تعالى عليه و سلم الممتلئ بالشوق إليه؟ و حديث حنين الجذع تقدم ذكره في محله. و قال القاضي ابن كج من أصحابنا: إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فعندي يلزمه الوفاء وجها واحدا، و إذا نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان. قال السبكي: لم ير لغيره من أصحابنا خلافه، و القطع بذلك هو الحق؛ للأدلة الخاصة في ذلك، و من يشترط في النذر أن يكون مما وجب جنسه بالشرع و يقول «إن الاعتكاف كذلك؛ لوجوب الوقوف» فقد يقول: إن زيارة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) وجب جنسها و هي الهجرة إليه في حياته.
و وجه الخلاف في قبر غيره تشبيهه بزيارة القادمين و إفساد السلام و نحو ذلك مما لم يوضع قربة مقصودة و إن كان قربة من حيث ترغيب الشرع فيه لعموم فائدته، و على هذا يكون الأصح لزومه بالنذر كما في تلك المسائل.
و قال العبدي من المالكية في شرح الرسالة: و أما النذر للمشي إلى المسجد لحرام و المشي إلى مكة فله أصل في الشرع و هو الحج و العمرة، و المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أفضل من الكعبة و من بيت المقدس، و ليس عنده حج و لا عمرة، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاثة لزمه، فالكعبة متفق عليها، و يختلف أصحابنا و غيرهم في المسجدين الآخرين، قال السبكي: و الخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين الآخرين لا في الزيارة.
و في كتاب تهذيب الطالب لعبد الحق: رأيت في بعض المسائل التي سئل عنها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحج به و شرطوا عليه الزيارة، فلم يستطع تلك السنة أن يزور لعذر منعه من ذلك. قال: يردّ من الأجرة بقدر مسافة الزيارة، قال الحاكي لذلك عنه: و قال غيره من شيوخنا: عليه أن يرجع ثانية حتى يزور، و قال ابن عبد الحق: انظر، إن استؤجر للحج لسنة بعينها فهاهنا يسقط من الأجرة ما يخص الزيارة، و إن استؤجر على حجة مضمونة في ذمته فهاهنا يرجع و يزور، و قد اتفق النقلان، قال السبكي: و هذا فرع حسن، و الذي ذكره أصحابنا أن الاستئجار على الزيارة لا يصح؛ لأنه عمل غير مضبوط و لا مقدر بشرع، و الجعالة إن وقعت على نفس الوقوف لم يصح أيضا؛