الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٩٨ - بين النظرة المصلحية و الواقع
أي أنهم كانوا يجحدون بما جاءهم به، إما زعما منهم أن في ذلك حفاظا على مصالحهم الشخصية و مستقبلهم، و إما تقليدا أعمى للضالين من آبائهم و أجدادهم، و إما حفاظا على امتيازاتهم، أو حسدا، أو غير ذلك.
و إن إبقاء علي «عليه السلام» في مكة ليؤدي للناس أماناتهم و ودائعهم، في ظروف حساسة و خطيرة جدا كهذه الظروف، لهو من أروع الأمثلة للإنسان الكامل، الذي يلتزم بمبادئه، و يحترم قناعاته، و لا يحيد عما رسمه اللّه له قيد شعرة، و لا يبحث عن المعذرات و الفرص، و إنما هو يعيش من أجل مبادئه العليا، و تحقيق أهدافها، و لا يعتبر المبدأ وسيلة لتحقيق مآربه و أهدافه.
نعم، لقد كان «صلى اللّه عليه و آله» أمينا عندهم، و سموه ب «الأمين» .
و كان ذلك من أبرز صفاته الشخصية حتى قبل نبوته، و ها هو يؤدي إليهم أماناتهم، مع أنهم يريدون نفسه و دمه، و محو كل آثاره من الوجود، و تشويه كل ما يرتبط به.
و لكن ذلك لا يحول بينه و بين أن يهتم بأمانات الناس، برهم و فاجرهم، و قد كان له كل العذر لو أنه لم يردها عليهم.
و بالمناسبة فإننا نعطي بعض المحققين الحق في أن يتعجب أو يستغرب، كيف لا يرى أحاديث عامة أهل السنة تهتم بهذه الصفة العظيمة، صفة الأمانة التي هي أساس إنسانية الإنسان؟
و لكن لا عجب من ذلك و لا غرابة فيه؛ فإن أحاديث «الحكمة» قد محيت أيضا و ذهبت منذ استشهد «صلى اللّه عليه و آله» بعناية و تعمد تام من قبل الخلفاء الحكام، و إلا فأين هذا الأمر الذي يخبر اللّه في أكثر من سبع آيات: أنه كان من جملة مهمات و وظائف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أيام