نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - الحكومة الإسلاميّة والسّلام
على أنّها أمرٌ ينسجم مع الطبع البشري، فيضفون الشّرعية على استخدام المستعمرين القوّة والعنف لتحقيق أهدافهم الخبيثة التّوسعية، فهؤلاء يتوسلون بأصل الصّراع من أجل البقاء وهو أحد أصول (دارون) الأربعة ويقولون: «ينبغي أنْ تكون الحرب والصّراع بين البشر قائمة على قدمٍ وساق وإلّا عمَّ الخنوع والضّعف الأرض، وتأخر نسل البشر إلى الوراء! وأمّا الصّراع والحرب فهو سبب لبقاء الأقوياء واضمحلال الضعفاء وزوالهم وبهذا تتحقق مسألة انتخاب الأصلح!!».
وقد يُستدل أحياناً ببعض آيات القرآن- التي يفسرونها تفسيراً محرّفاً بالإعتماد على الرأي- لإثبات هذا الموضوع.
ولكن هذا الاستدلال ضعيف جدّاً، إذ على فرض قبول هذا الأصل- الصّراع من أجل البقاء- في خصوص الحيوانات المفترسة المتوحشة- وهو رأي مردود من قبل العلماء الذين نقدوا الأصول الدارونية- فلا يمكن أن نقبل ذلك في عالم الإنسانيّة، إذ إنّ البشر يمكنهم أنْ يتكاملوا عن طريق التعاون البقائي والإستباق السّالم للرقي، كما يفعلون ذلك في ميدان الصّناعة والسّياسة بين الأحزاب والجمعيات المتنافسة في دنيا اليوم، وعلى هذا الأساس فإنّ حياة البشريّة اليوم مبتنية على أصل التّعاون من أجل البقاء لا الصّراع من أجل البقاء.
وعلى كل حال، لا نجد أي دليل يمكنه توجيه الحرب وإضفاء الشرعيه عليها وخاصة في مثل حروب هذا العصر التي لا يمكن جبران الخسائر النّاجمة عنها في قرون، سواءً الخسائر البشريّة أو الصّناعية والزّراعيّة وغيرها.
والفكر السّقيم المريض فقط هو الذي يمكنه تبرير مثل هذه الحروب.
وبعد هذه الإشارة نعود للقرآن المجيد، ونحقق في روح السّلم في الحكومة الإسلاميّة:
١- «يَا ايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ». (البقرة/ ٢٠٨)
٢- «وَانْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ». (الأنفال/ ٦١)