نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - روح الجهاد، دفاعٌ لاغزو
ففي هذه الآيات يعتبر رأسمال هذه التّجارة المربحة في الدّنيا والآخرة مُركَّب من الإيمان والجهاد، أي أنَ «العقيدة» و «الجهاد» هما ركنا هذه التّجارة، ذلك الجهاد الذي يكون بالمال والنّفس معاً، إذ إنّ إعداد الوسائل والمعدات العسكريّة اللازمة للنّصر لا يمكن إلّا بصرف الأموال، والملفت للنّظر هنا هو أنّه لم يذكر أن نتيجة الجهاد هي المغفرة والرّحمة الإلهيّة والنِّعم الخالدة في الجنّة فقط، وإنّما يذكر النّصر القريب في هذه الدّنيا ويعتبره أعزّ من آثاره الاخرى. (دققواجيداً).
والتّعبير بالتّجارة، إشارة إلى نكتة أنّ الإنسان على أيّة حال له رأسمال، وهذه الدّنيا كالمتجر يمكن استغلال رؤوس الأموال، فيها وتشغيلها وتبديلها إلى رؤوس أموال خالدة وباقية، وهذا لا يتمّ إلّابالتّعامل مع الوجود المقدسّ للباري تعالى، الوجود الذي بيده كل مفاتيح الخير والسّعادة، والتّجارة مع هذا الوجود مقترن على الدوام مع الكرامة والمواهب وأنواع النّعم.
كما أنّ النّكتة الجديرة بالذكر هنا هي أنّ المخاطب في هذه الآيات هم المؤمنون، مع أنّها تدعوهم في نفس الوقت إلى الإيمان! والهدف من ذلك هو أنْ يرتقي هؤلاء المؤمنون من مراحل الإيمان الابتدائية والصُورية إلى المراحل العالية المقترنة بالجهاد والأعمال الصّالحة، وذلك لأنّ الإيمان شجرة مثمرة تبدأ من شجيرة صغيرة حتّى تصير أغصانها عالية إلى عنان السّماء، فتثمر أنواع الفضائل ومكارم الأخلاق، وهذا يحتاج إلى طي مراحل تكامليّة مختلفة.
وفي الآيةالسّابعة، نجد نفس مضمون الآية السّابقة ولكن في صورة جميلة أخرى، فهي تصور المعاملة وكأن اللَّه هو المشتري والمؤمن هو البائع، والمتاع هو الأموال والأنفس، والثمن هو الجنّة الخالدة، وأسناد هذه المعاملة العظيمة المربحة ووثائقها، ثلاثة كتب سماوية هي التّوراة والأنجيل والقرآن، يقول تعالى: