نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - توضيح ذلك
رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مرَّ بالمحتكرين فأمر بحكرتِهم أنْ تخرج إلى بطون الأسواق وحيث تنظرُ الأبصار إليها» [١]، فاقترح النّاس أن تُعيّن أسعارها، فرفض النّبيّ صلى الله عليه و آله ذلك.
وفي حديث آخر، أنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله مرَّ على رجل خلط طعاماً جيداً برديء، فقال له النّبيّ صلى الله عليه و آله في ذلك، فقال الرجل: أردت أن أبيعه جميعاً فقال صلى الله عليه و آله: «ميِّزْ كُلَّ واحدٍ منهما على حِدة، ليس في ديننا غشّ» [٢].
وجاء في عهد الإمام عليّ عليه السلام إلى مالك الأشتر:
«إمنَع من الإحتكار فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مَنَعَ مِنهُ، وليكن البَيْعُ بيعاً سَمحًا بموازين عدلٍ، وأسعار لا تجحِفْ بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارفَ حُكْرَةً بعد نهيك إيّاه، فنكِّل به وعاقبهُ في غيرِ إسراف» [٣].
ونقرأ أيضاً في أحوال الإمام عليّ عليه السلام أنّه كان يتولى بنفسه الأُمور المرتبطة بالحسبة، فكان أحياناً يمرُّ في سوق القصابين وينهاهم عن المخالفة [٤].
وكان عليه السلام يمرَّ تارة في سوق السّماكين وينهاهم عن بيع الأسماك المحرّمة [٥].
ولكن، وبمرور الزّمان، اتسعت مسألة «الحسبة» واتخذت تدريجياً صورة دائرة مهمّة من دوائر الدولة الإسلاميّة، فكان المأمورون باسم «المحتسبين» يدورون في الأزقة والأسواق والشّوارع الكبيرة ليل نهار ويراقبون الأمور الاجتماعيّة، المختلفة، فيعاقبون المخالفين فيمحل ارتكاب المخالفة أحياناً، وأحياناً أخرى يأخذونه إلى القاضي (كما في مأموري شرطة المرور هذه الأيّام).
واتّسعت دائرة «الحسبة» إلى درجة أنّ «جرجي زيدان» المؤرخ المعروف ذكر في كتابه «تاريخ الحضارة الإسلامية» يقول:
[١] وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣١٧، ح ١، الباب ٣.
[٢] كنز العمال، ج ٤، ص ١٥٩.
[٣] نهج البلاغة، الرسالة ٥٣.
[٤] كنز العمال، ج ٤، ص ١٥٨.
[٥] وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٣٣٢.