نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٨ - ب) قصة ثعلبة
«وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّا آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَولَّوْا وَّهُمّ مُعرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوْهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ* أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الغُيُوبِ». (التوبة/ ٧٥- ٧٨)
يعتقد كثير من المفسرين أنّ هذهِ الآيات نزلت في شأن أحد الأنصار واسمه «ثعلبة بن حاطب»، لقد كان هذا الرجل فقيراً، يأتي إلى المسجد دائماً ويطلب من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن يدعو اللَّه أن يعطيه مالًا كثيراً، فكان النبي صلى الله عليه و آله يقول له: «قليلٌ تؤدّي شُكْرَهُ خيرٌ من كثير لا تُطيقُهُ»، ولكن ثعلبة كان يصرُّ ويلِحُّ على النبي صلى الله عليه و آله، ويُقسم بأنّه سيؤدّي كل ما عليه من حقوق فيما لو أعطاه اللَّه المال الكثير، فاضطر النبي صلى الله عليه و آله إلى أن يدعو اللَّه أن يعطيه مالًا كثيراً.
لم تمض فترة طويلة إلّاومات ابن عمّ ثعلبة وكان غنيّاً، فورث ثعلبة ثروة طائلة، وكانت ثروته تزداد يوماً بعد آخر، فصار يملك قطعاناً من الأنعام.
وعندما حان موسم الزكاة بعث الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله الجباة لجمع الزكوات، فلم يمتنع ثعلبة الذي ذاق لتوّه لذَّة المال عن دفع الحق الإلهي فحسب، بلْ أخذ يُشكل على أصل تشريع الزكاة أيضاً! وادّعى أنّها «شبيه الجزية» التي تؤخذ من أهل الكتاب! (عاد مأمور رسول اللَّه صلى الله عليه و آله صفر اليدين، فنزلت الآيات المذكورة أعلاه في ذمِّ ثعلبة وبخله ونفاقه ونقضه العهد!).
نزول هذهِ الآيات بنفسه يُعدُّ تعزيراً شديداً في حقه، لأنّها فضحت افعاله القبيحة.
وطبقاً لبعض الروايات فإنّ ثعلبة ومن أجل استعادة حيثيته وجبر هذهِ الخسارة الاجتماعية الفادحة، جاء بنفسه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأعلن عن استعداده لدفع زكاة أمواله، ولكن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله رفض قبولها منه!
رَحَل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى جوار ربّه، فجاء ثعلبة ثانية إلى الخليفة الأول ليؤدّي زكاة ماله، فلم يقبلها منه الخليفة الأول!
وفي زمن الخليفة الثاني والثالث جاء ثعلبة ليدفع زكاة أمواله، فكان جواب كل منهما له