نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩ - العلاقة بين الدين والحكومة من وجهة نظر القرآن الكريم
العدل الإلهي من مسؤولياتهم الأكيدة، وقد استغلوا كل فرصة من أجل إثبات حقهم، كما أنّ عدوهم كان يدرك هذا الأمر جيداً.
ولو كان الإسلام كمسيحية اليوم محدوداً بسلسلة من الأحكام الأخلاقية، لما كان لهذه الظواهر في تاريخ الإسلام أي مفهوم، إذ لا أحد يعارض معلماً بسيطاً للأخلاق أو زاهداً منعزلًا في زاوية مكتفياً بإقامة صلاة الجماعة.
إنّما تبدأ المعارضة حينما يتعلق الأمر بالحكومة، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فهنالك الكثير من الأحكام الإسلامية في القرآن المجيد والتي تصرخ عالياً بضرورة تشكيل الحكومة وإرساء اسسها، وبعبارة اخرى، فهذه الأحكام أحكام سياسية، وهي الّتي ترسم الخط السياسي للمجتمع الإسلامي.
هناك آيات قرآنية كثيرة حول الجهاد، وتكليف المجاهدين، وغنائم دار الحرب، والشهداء، والاسرى، فهل يا ترى بالإمكان توجيه مثل هذه الأحكام خارج نطاق الحكومة؟
الكثير من الآيات القرآنية سلطت الأضواء على مسؤوليات القاضي، وأحكام القضاء، وتطبيق الحدود والقصاص وأمثالها، والكثير منها ناظر إلى أموال بيت المال.
وأمّا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي من واجبات كل فرد مادام في حدود التذكير والأوامر والنواهي الكلامية، لكن بعض مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تحتاج إلى الصلابة والقوة، بل وحتى المواجهة العسكرية المسلحة غير ممكنة إلّا عن طريق الحكومة.
وتطبيق العدالة الاجتماعية وإقامة القسط والعدل، وفتح الطريق للتبليغ بحرية في أقصى نقاط العالم، لا يكون بالنصيحة والموعظة والممارسات الأخلاقية أبداً، الحكومة هي التي ينبغي أن تنزل إلى الميدان لتفك قيد الظالم عن عنق المظلوم، وتعيد حقوق المستضعفين، وتوصل نداء التوحيد إلى اسماع كل سكان المعمورة عن طريق وسائل الإعلام المتوفرة في كل زمان.