نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤ - الحكومة والوكالة
أولًا: بأي حق يتدخل وكيل الأكثرية في شؤون الأقلية؟ لنفرض أنّ ٥١ مليون نفر قد انتخبوا أحد الأشخاص وكيلًا عنهم، و ٤٩ مليون قد وكّلوا شخصاً آخر، فبأي دليل يمتلك وكيل ال (٥١ مليون) حق التدخل في شؤون ال (٤٩ مليون نفر).
ثانياً: هنالك شريحة يعتد بها من الشعب لا تشترك في الانتخابات في أكثر الأحيان ولأسباب شتى ولا يمنحون أصواتهم لأحد باعتباره وكيلًا لهم، فأيّة ضرورة تقضي بوجوب اتباعهم لمن يتمتع بوكالة الآخرين؟!
ثالثاً: الوكالة عقد جائز، وبإمكان الموكّل عزل وكيله متى شاء، في حين أنّ الشعب لا يمكنه أبداً في ظل الأنظمة السياسية في العالم عزل مرشحيه- والمرشحين لرئاسة الجمهورية وأمثالها.
الحقيقة هي أنّ الديمقراطية لا يمكن تحجيمها بهذه العناوين، إذ إنّ للديمقراطية هويتها الخاصة بها، وهي في الواقع نوعٌ من العقد الاجتماعي تفرضه الضرورة، لأنّ الشعب بحاجة إلى حكومة ما على كل الأحوال، ومن جهة اخرى فاتفاق آراء الشعب على هذا الأمر غير ممكن، إذن، فلابدّ من الذهاب- شئنا أم أبينا- وراء رأي الأكثرية، كما يجب على الأقلية الرضوخ أمام الأكثرية، إذ لا سبيل لإدارة المجتمع ولا توجد رؤية اخرى سوى ذلك، وهي أنّه نتوافق مع رأيهم، حتّى لو لم يكن هذا الأمر متصفاً بالعدالة المحضة.
أمّا الذين ينظرون إلى الحكومة بأنّها من قبل اللَّه تعالى، فلهم رؤية اخرى، وهي أنّه لنرى من ذلك الشخص الذي وضع اللَّه تعالى الحكومة تحت اختياره؟ وبهذه الحالة تكون آراء الشعب- عند تعدد الأفراد اللائقين من وجهة نظر الإسلام- قادرة على صنع القرار عند تعيين الشخص المتفق عليه، فيتغلب ذلك الشخص الذي يحظى بدعم جماهيري أكبر لتنفيذ أهداف الحكومة.
وبإمكان المسائل المتعلقة بالبيعة توضيح هذا الأمر بشكل أكبر، وسنتكلم إن شاء اللَّه بالتفصيل في الأبحاث القادمة عن دور البيعة في الحكومة، وحقيقة البيعة وشروطها.