نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٩ - جمع الآيات و تفسيرها
المشركين وعبدة الأوثان، فهي تقسِّمُهُمْ إلى مجموعتين: مجموعة قاتلت المؤمنين وآذتهم ولم تتردد عن كل مخالفة وممارسة عدائية ضدهم، ومجموعة ثانية كانت مستعدة للعيش معهم بسلام.
ففي هذه الآيات نجد منع إنشاء العلاقة والتّعامل مع المجموعة الأولى وقد أجازت ذلك منع المجموعة الثّانية، وعدّت الّذين يرتبطون بالمجموعة الأولى من الظّالمين، أمّا المتعاملين مع المجموعة الثّانية فاعتبرتهم الآية الشريفة من أنصار العدالة.
وإذا كان الحكم الإلهي في مورد المشركين وعبدة الأوثان على هذا النّحو، فهو بالنسبة للكفار من أهل الكتاب من باب أولى.
واعتبر بعض المفسرين أنّ الأمر الوارد في هذه الآية قد نُسِخ، وأنّ ناسخة هو قوله تعالى: «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المشُرِكِينَ حَيثُ وَجَدتُّمُوهُمْ». (التوبة/ ٥)
ولكن وبقرينة أنّ هذه الآية بشهادة سائر آيات سورة التّوبة، نازلة في شأن المشركين الذين ينقضون العهد، والّذين أعلنوا العداء للمسلمين، يتضح لنا تماماً أنّ الآية لم تُنْسَخْ، بل إنّ آيات سورة التّوبة مرتبطة بالمجموعة الأولى.
وروى بعض المفسرين في تفسير هذه الآية أنّ زوجة أبي بكر المطلّقة قد جاءت لإبنتها «أسماء» ببعض الهدايا من مكة، ولما كانت لا تزال مشركة، امتنعتْ أسماء من قبول تلك الهدايا منها، حتى أنّها لم تسمح لأمِّها بالدّخول عليها، فنزلت الآية المذكورة، وأمرها الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله أنْ تستقبل امَّها وتقبل هديتها وأنْ تحترمها [١].
وعلى أيّة حال، يستفاد من هذه الآيات، أصلٌ عام كلّي في كيفية تعامل المسلمين مع غير المسلمين، بلا تحديد ذلك بزمانٍ أو مكانٍ خاص، وهذا الأصل هو أنّ المسلمين مكلّفين بسلوك طريق السّلم مع كلّ فرد أو مجموعة أو مجتمع أو دولة لا تتخذ موقفاً معادياً تجاههم، أو تحارب الإسلام والمسلمين وتنصر أعداءهم، سواءً كان هؤلاء مشركين أو كانوا من أهل الكتاب.
[١] تفسير روح البيان، ج ٩، ص ٤٨١، كما نقلت هذه الرواية في كثير من كتب التفسير، وفي صحيح البخاري بتفاوت.