نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٧ - ٣- الجهاد لحمايّة المظلومين
ففي الآية أوّلًا دعوة للجهاد في سبيل اللَّه، ثُمّ تعقب مباشرة بالكلام عن المستضعفين والمظلومين الذين مارس الأعداء القساة معهم أشدَّ الضّغوط حتى أجلوهم عن وطنهم وديارهم ومنازلهم وأهليهم، ويبدو أنّ هذين المعْنيين يعودان في الواقع إلى معنى واحد، إذ إنّ نصرة مثل هؤلاء المظلومين مصداق واضح من مصاديق الجهاد في سبيل اللَّه.
وينبغي أن لا نغفل عن الفرق الواضح بين «المستضعف» والضّعيف، فالضّعيف يطلق على الشّخص العاجز، أمّا المستضعف فهو الشّخص الذي أُضطهد على يد الظّلمة الجائرين، سواءً كان اضطهاداً فكرّياً أو اجتماعيّاً أو اقتصادياً أو سياسيّاً (إلتفتوا جيداً).
ومن الواضح أنّ هذا الجهاد جهادٌ دفاعي أيضاً، وهو الدّفاع عن المظلومين ضد الظّالمين.
والأهداف الثّلاثة المذكورة، هي أهم أهداف الجهاد الإسلامي، وبالرغم من تقسيمه إلى قسمين (الجهاد الابتدائي والجهاد الدّفاعي) إلّاأنّ حقيقتهما دفاعيّة- ولهذا لا نجد في تاريخ الإسلام مورداً واحداً يدلّ على استعداد الكافرين للعيش بصلح وسلام مع المسلمين ومواجهة ذلك بالرّد والرّفض من قبل الإسلام.
واليوم أيضاً، ليس للحكومة الإسلاميّة هدف عدواني ضد أحدٍ، ومالم تفرض عليها الحرب فإنّها لا تقاتل أحداً أبداً، ولكنّها تعتقد أنّ الدّفاع عن المظلومين من أهم وظائفها ومسؤولياتها، وأنّ حبّ الفتنة وإيجاد الرّعب والوحشة والتّضييق والضغوط وسلب الحريات من قبل أعداء الإسلام نوعٌ من أنواع إعلان الحرب، ولذا تعتبر نفسها مسؤولة عن الدّفاع ضد المعتدين.
ونكرر ثانية، إنّ مفهوم الدّفاع ليس أنْ يجلس الإنسان مكتوف الأيدي حتّى يُغزى في عقر داره، بل عليه أنْ يتحرك إيجابياً ضدّ تحركات الأعداء ويحفظ قدرته العسكريّة القتاليّة وخاصة في الظرّوف الحسّاسة، وأنْ يبادر بضرب الأعداء قبل أن يفاجئه العدو المتآمر.