الأربعون الودعانية

الأربعون الودعانية - ابونصر ابن ودعان - الصفحة ٢٩١

في ذلك بناء على الخلاف في تفسير «حَقَّ تُقَاتِهِ» ، فمن فسّره بما روي عن النبي صلى الله عليه و آله جعله منسوخا بقوله تعالى : «مَا اسْتَطَعْتُمْ» [١] ؛ لأنّ الأوّل غير داخل في الوسع والطاقة . ومن فسّره بغاية الوسع والطاقة، جعله محكما ، وجعل قوله تعالى : «مَا اسْتَطَعْتُمْ» مفسّرا له لا ناسخا . و «حَقَّ تُقَاتِهِ» منصوب على المصدر ، تقديره : تقاةً حقّا ، أو تقاةً حقّ تقاته ، نظيره قولك: ضربته أشدّ الضرب ، أي: ضربا شديدا ، أو ضربته ضرب الأمير ، أي : ضربا مثل ضرب الأمير .


[١] راجع: المحاسن ، ج ١ ، ص ٢٠٤ ، ح ٥٠ ، فقد رواه عن الإمام الصادق عليه السلام .[٢] سورة آل عمران ، الآية ١٠٢ .[٣] سورة التغابن ، الآية ١٦ .[٤] في تفسير القمي (ج ١ ، ص ١٠٨) ، ما نصُّه : «والاستطاعة هي القوّة والزاد والراحلة ، وقوله: «اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» فإنه منسوخ بقوله : «فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ». وفي بحوث في تاريخ القرآن وعلومه للسيد مير محمدي الزرندي (ص ٢٠٩ ـ ٢١١) ما نصُّه : «المورد الخامس : قوله تعالى: «يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» . قال في الإتقان : قيل : إنّه منسوخ بقوله تعالى : «فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ...الآية . وقال ابن العتائقي في جملة ما قال : فقالوا : يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ما حقّ تقاته ؟ فقال : أن يطاع ولا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر . قالوا : ومن يطيق ذلك ؟ ونسخها قوله تعالى: «فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وعدّها في تفسير النعماني مما رواه عن علي عليه السلام من المنسوخات . ونجد في قبال هؤلاء من يقول بعدم النسخ ، كالشيخ الزرقاني ، حيث قال في مناهل العرفان ما حاصله : إنّها غير منسوخة ؛ فإنّ معنى تقوى اللّه حق تقاته هو الإتيان بما يستطيعه المكلّفون ، دون ما خرج عن استطاعتهم ، وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين ، بل تكون إحداهما مفسّرةً للاُخرى ، فلا نسخ. ولكنّ الذي يبدو لنا هو أنّ المستفاد من قوله : «حَقَّ تُقَاتِهِ» أمر أعظم وأشدّ مما يستفاد من قوله تعالى : «مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وكأن الآية الاُولى تدلّ على أنه يجب تحصيل ما أراده اللّه تعالى وأحبّه ، وترك ما نهى عنه وأبغضه بأيّ وجه أمكن وبأيّ طريق ، فلابد من أن يتحرز المكلف من النسيان والغفلة ، ولو بالاحتياطات الشاقة التي تمنع ذلك ، ومعلوم أنّ هذا أمر صعب جدّا. وأما الآية : «مَا اسْتَطَعْتُمْ» فهي تخفِّف ذلك ، وتقول : إننا الآن نطلب منكم قدر وسعكم ، أي بمقدار الوسع العرفي لا العقلي . فحينئذٍ يكون بين الآيتين تعارض ، فلابد من القول بالنسخ. وهذا المعنى هو الذي يظهر من كل مورد وقع فيه نظير هذا التعبير ، كقوله تعالى : «مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» ، وقوله سبحانه : «فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا» . وكقول الإمام عليه السلام لمعاوية بن وهب : يا معاوية ، ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك اللّه ويأكل نعمته ثم لا يعرف اللّه حق معرفته . ومن المعلوم أن معاوية بن وهب ـ مع جلالته وعظم شأنه ـ لم يكن يفقد المعرفة المتعارفة باللّه عز و جل ، وإنما استحقّ العتاب منه عليه السلام بسبب عدم وصوله إلى حق المعرفة التي ترتفع عن مستوى المعرفة المتعارفة. إذن ، فيستفاد من كلمة «حَقَّ تُقَاتِهِ» درجة من التقوى تزيد على الدرجة التي تستفاد من قوله : «مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فتكون هذه ناسخة لتلك . هذا بالإضافة إلى أنه قد روي عدد من الروايات الدالة على النسخ في هذه الآية عن أئمة الهدى عليهم السلام ، ونحن نذكر على سبيل المثال ما رواه السيد هاشم البحراني بسند صحيح عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عز و جل: «اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» قال : يطاع ولا يعصى ، ويذكر ولا ينسى ، ويشكر ولا يكفر. وما رواه أيضا في حديث آخر أنه عليه السلام قال : «اتَّقُواْ اللَّهَ» منسوخة ، قلت : وما نسخها ؟ قال : قول اللّه : «اتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . إلى غير ذلك من الروايات الدالة على النسخ عن أهل البيت عليهم السلام .[٥] سورة التغابن ، الآية ١٦ .[٦] نقل معناه: الطريحي في تفسير غريب القران ، ص ٣٣٥ ، وراجع: الغريبين للهروي .[٧] سورة الأعراف ، الآية ١٦٩ .[٨] سورة التوبة ، الآية ٤٢ .[٩] سورة الحديد ، الآية ١٣ .