الأربعون الودعانية - ابونصر ابن ودعان - الصفحة ٢٤٨
الآخرة ، فهي في الحقيقة عارية مردودة ، ووديعة في أيّام معدودة ، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه و آله : لا تسبُّوا الدنيا؛ فنعمت مطية المؤمن ، عليها يبلغ الخير ، وبها ينجو من الشرّ [١] ، فشبَّهها بالمطيَّة ؛ لأنّ المؤمن مسافر عليها الى الآخرة . وأما «النظر إلى ظاهر الدنيا»، فهو رؤيتها بعين الرأس ، والاقتصار على المعاني الظاهرة منها ، وهي زخارفها وزينتها و شهواتها ولذّاتها من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث ونحو ذلك مما هو من متاع الحياة الدنيا ، والاستغراق في أسبابها وعلائقها، وبسط الآمال والأماني فيها حتى كأنَّها دار بقاء لا دار فناء، ومنزل خلود لا منزل ورود، كما قال اللّه تعالى : «وَ لَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَـاهِرًا مِّنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غَـافِلُونَ» [٢] . «اهتمّ بكذا »: أي: جعله من مهامّه واُموره اللازمة ، وأصل الاهتمام : الوقوع في الهمة ، فكأنه وقع في همّ بسبب ذلك الأمر حتّى يقضيه . قوله : «فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم» يعني : رفضوا أو هجروا شهواتها ولذاتها وعلائقها وبوائقها ما خافوا أن تميت قلوبهم وتحجبهم عن اللّه تعالى . قوله : «فما عرضهم» يجوز أن يكون معناه : فما صار عارضا لهم، من قولهم : عرضه عارض من الحمّى أو نحوها . وفي بعض النسخ : «فما اعترضهم»، ومعناه: فما اعترض لهم ، أي : فما صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر ونحوها . و«النائل» والنوال : العطاء. «رفضوه» : تركوه. «خادعهم» : خاتلهم ، أي : أراد بهم المكروه من حيث لا يعلمون . «وضعوه» أي : ألقوه وطرحوه ولم يلتفتوا إليه . وفي الجمع بين النائل والرفعة، إشارة إلى إعراضهم عن المال والجاه، اللذَّين هما
[١] بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ١٧٨ .[٢] سورة الروم ، الآيتان ٦ و ٧ .