الأربعون الودعانية - ابونصر ابن ودعان - الصفحة ٢٧٢
واليد والرجل عن كسب الآثام، وتُعِين على التفرُّغ للعبادة والإخلاص فيها وحضور القلب معها ؛ فإنّ المتعاونين على البر والتقوى والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في زماننا قليلون جدّا ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه و آله : أحبّ الناس الى اللّه تعالى : الفرّارون بدينهم ، يبعثهم [اللّه ] مع عيسى بن مريم يوم القيامة [١] . وقيل للشافعي : «من أعقل الناس؟ فقال : من اعتزل عن الناس»، وهذا كلُّه في ذلك الزمان ، فكيف في زماننا هذا؟ الذي اجتمع فيه جماعة قلّما يتذاكرون العلوم الدينية والحكم والمواعظ وأحوال الآخرة ، بل أكثر حديثهم : الغيبة والتملُّق والنفاق ومدح أنفسهم وجلسائهم بما ليس فيهم ، وذكر أحوال الدنيا والبحث عن أخبار أهلها ، والتفحّص عما لا يلزمهم ولا يغنيهم في دينهم، بل يضرّهم قوله وسماعه . قوله : «والعمل كنز ، والدنيا معدن» معناه : أنّ العمل الصالح يستخرجه المؤمن من الدنيا ويكنزه للآخرة ، كما يستخرج أبناء الدنيا الذهب والفضَّة من المعادن ويكنزهما لدنياهم . «الأهداب» جمع هدب ، وهو ما استرجل من طرف الرداء أو الكساء ونحوهما ، ومنه: أهداب العين، وهو ما نبت من الشعر على أشفارها . البُرد ـ من الثياب ـ: معروف ، والمعنى : أنّ جميع ما مضى من الدنيا لو دفع بأهداب هذا البرد لما سرّني ذلك ، يعني : قيمتها أقلّ من ذلك في نظره عليه السلام . قوله : «أشبه من الماء بالماء» مبالغة في تشبيه ما بقي من الدنيا بما مضى منها ، وهو مِن أحسن المبالغات ؛ فإنّ الماء شديد الشبه بالماء ، لا سيّما في المنظر، وكذا في جميع الصفات، إذا كان معدنهما و أصلهما واحدا . قوله : «وكلٌّ إلى نفاد» : وكل شيء بقي من الدنيا مصيره إلى فناء سريع . «فبادروا» أي: فسارعوا ، والمراد به: المسارعة إلى الطاعات والأعمال الصالحات . «المهل» ـ بفتح الهاء وسكونها ـ : المهلة ، والمراد بمهل الأنفاس : مهلة
[١] بحار الأنوار ، ج ٦٥ ، ص ٣٦٠ . وفي نهج البلاغة ، ج ١ ، ص ٧٠ ـ ٧٣ ، ما نصه : «ومن خطبة له عليه السلام : أما بعد : فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أشرفت باطّلاع ، ألا وإنَّ اليوم المضمار ، وغدا السباق ، والسبقة الجنة ، والغاية النار . أفلا تائب من خطيئته قبل منيَّته؟ ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه؟ ألا وإنّكم في أيَّام أمل من ورائه أجل ؛ فمَن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرره أجله ، ومن قصَّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضرَّه أجله . ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة. ألا وإنّي لم أر كالجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لا ينفعه الحقُّ يضرره الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى يجرُّ به الضلال إلى الردى . ألا وإنكم قد اُمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد ، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل . تزوَّدوا من الدنيا ما تحرزون أنفسكم به غدا. وقال الشريف الرضي : أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام . وكفى به قاطعا لعلائق الآمال وقادحا زناد الاتّعاظ والازدجار . ومِن أعجبه قوله عليه السلام : ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السباق ، والسبقة الجنّة والغاية النار ؛ فإنّ فيه ـ مع فخامة اللفظ وعظم قدر المعنى وصادق التمثيل وواقع التشبيه ـ سرّا عجيبا ومعنى لطيفا وهو قوله عليه السلام : والسبقة الجنَّة والغاية النار ، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين . ولم يقل السبقة النار كما قال : السبقة الجنة ؛ لأنّ الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنة ، وليس هذا المعنى موجودا في النار ، نعوذ باللّه منها ، فلم يجز أن يقول: والسبقة النار ، بل قال: والغاية النار ؛ لأنّ الغاية ينتهي إليها من لا يسرُّه الانتهاء ومن يسرُّه ذلك ، فصلح أن يعبّر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ؛ قال اللّه تعالى : «قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» ، ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال: سبْقتكم ـ بسكون الباء ـ إلى النار ، فتأمل ذلك ؛ فباطنه عجيب وغوره بعيد ، وكذلك أكثر كلامه عليه السلام .[٢] معجم أحاديث الإمام المهدي ، ص ٨٠ ، وراجع: حلية الأولياء ، ج ١ ، ص ٢٥ وكنز العمال ، ج ١ ، ص ٣٩٢ ، ح ١٦٨٩ .[٣] في تاريخ اليعقوبي (ج ١ ، ص ٢٥٤) ، ما نصه:« وقال عبد المطلب لما كان من أصحاب الفيل ما كان : أيها الداعي لقد أسمعتنيثم ناد ، عن نداكم ، من صمم هل يد اللّه أمر ، أم لهسنة في القوم ليست في الاُمم قلت ، والأشرم تردي خيلهإن ذا الأشرم غرّ بالحرم إنّ للبيت لربّا مانعامن يردّه بأثام يصطلم رامه تبع ، فيما قد مضىوكذا حمير ، والحي قدم فانثنى عنه ، وفي أوداجهحارج أمسك منه بالكظم هلكت بالبغي فيه جرهمبعد طسم ، وجديس ، وجمم وكذا الأمر بمن كاده بحرب ، فأمر اللّه بالأمر اللمم نعرف اللّه ، وفينا سنّةصلة الرحم ، وإيفاء الذمم لم يزل للّه فينا حجةيدفع اللّه بها عنّا النقم نحن أهل اللّه في بلدتهلم يزل ذاك على عهد ابرهم[٤] في تاريخ الطبري (ج ٧ ، ص ٣٥٤) ما نصه : «وحدثني أنّه : أنشدني بالمراغة جماعة من أشياخها أشعارا لابن البعيث بالفارسية ، ويذكرون أدبه وشجاعته وله أخبار وأحاديث ، وحدثني بعض من ذكر أنه شهد المتوكِّلَ حين أتى بابن البعيث وكلّمه ابن البعيث بما كلّمه به ، فتكلَّم فيه المعتزّ وهو جالس مع أبيه المتوكل ، فاستوهبه فوهب له وعفى عنه ، وكان ابن البعيث حين هرب قال : كم قد قضيت اُمورا كان أهملهاغيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم لا تعذليني فيما ليس ينفعنيإليك عنّي جرى المقدار بالقلم سأتلف المال في عسر وفى يسرإنّ الجواد الذي يعطي على العدم