الأربعون الودعانية - ابونصر ابن ودعان - الصفحة ٢٢٥
غيري وأفعلت أنا . وإنّما القياس : خرجت أنا وأخرجت غيري ، وما أشبهه ، فالثلاثي لازم ، والرباعي متعدٍّ، وفي هذه الكلمة جاء على العكس . «الحصائد»: جمع حصيدة ، وهي الزرع المحصود ، وكذلك: الحصيد . وحصائد الألسنة من الكلام : ما تحصده الألسنة من الكلام ، أي: ما يقطعه. شبّه اللسان بالمِنجَل ، والكلام بما يحصده من الزرع . قوله : «فليحفظ ما جرى به لسانه» : أي: فليحفظ كلامه بأن لا يكون عليه . قوله : «وليحرس ما انطوى عليه جنانه» يعني : وليحفظ ما اشتمل عليه قلبه من الإيمان والإخلاص والتقوى واليقين ونحوها، لما هو مودع في القلب بحفظه مما يفسده أو يكدّره أو يوجب نقصانه بوجه من الوجوه، وبسبب من الأسباب . «تحسين العمل» : إيقاعه على وجه السنّة ، كما قال اللّه تعالى ورسوله ، أو ندبا إليه . و «تقصير الأمل» هو أصل كل خير ، كما أنّ تطويله هو أصل كل شرٍّ ؛ فإنّ من يقدّر على نفسه: أنّه [ لا ] يعيش غدا، لا يسعى لكفايته غدا ، ولا يهتمّ له ، فيصير حرّا مَن رقّ الحرص والطمع والذل وخدمة الدنيا، و يكفيه كل شيء . ومن قدّر في نفسه: أنّه يعيش عشر سنين أو عشرين سنة ، فإنّه يصير عبدا لهذه الأوصاف الذميمة المذكورة، ولا يكفيه شَيء من الدنيا، ولا يملأ بطنه وعينه إلّا التراب ، كما جاء في الحديث [١] . قوله تعالى : «لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ» ... الآية [٢] أي: لا خير في كثير من كلام الناس وأحاديثهم التي يتحدثون بها إذا اجتمعوا إلّا في كلام من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ، وإنما ذكر الأمر بهذه الأشياء ليدلّ على فضيلة فاعلها بالطريق الأولى .
[١] في عوالي اللئالي (ج ١ ، ص ١٣٢) ما نصه : وقال صلى الله عليه و آله : لو أنّ لابن آدم ملأ وادٍ مالاً ، لأحَبَّ أن يكون له مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب. وفي روضة الواعظين (ص ٤٢٩) قال صلى الله عليه و آله : لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللّه على من تاب.[٢] سورة النساء ، الآية ١١٤ .