الأربعون الودعانية

الأربعون الودعانية - ابونصر ابن ودعان - الصفحة ٢١٧

والسير واحد ، وهو قطع المسافة . عاقبة كلِّ شيءٍ : آخره . «الصحيفة» : الكتاب ، و«الأجل» : مدَّة الحياة . والمراد بطيّ صحائف الآجال : نفاد الأعمار وفراغها، فعند مشاهدة الموت يتبيّن للإنسان عاقبة عمله، أنّه خير أو شرٌّ . «الفاسق» : الخارج عن الطاعة ، وقيل : المراد به في الحديث : المنافق . قوله : نيّة المؤمن خير من عمله ، قيل : ليس المراد به أنّ نيّته للعمل الصالح خير من ذلك العمل لو فعله مقرونا بالنيّة ، بل مراده أن نيّته الصالحة المجرَّدة عن العمل خير من عمله المجرَّد عن النيّة ، كقوله تعالى : «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ» [١] معناه : خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ؛ لأنّ الشيء لا يكون خيرا من نفسه، ولا من عدّة أمثاله معه. وقيل : المراد به : إذا عمل عملاً صالحا مقرونا بالنيّة واجتمعا ، كانت النيّة في الفضيلة والشرف خيرا من العمل ، كما يتركّب الشيء من جزءين مفردين، أحدهما أشرف من الآخر ، كتركّب السكنجبين من السكَّر والخلّ ، وتركب الإنسان من الجسم والروح ، أو من الحيوانية والنطق ، وإنّما كانت النيّة أشرف الجزءين لأنّها روح العمل وهو جسمها . وقيل : إنّما كانت نيّة المؤمن خيرا من عمله؛ لأنّها تحتمل التعدُّد والكثرة في العمل الواحد، فيتضاعف أجر العمل بقدر عدد النيّات ، فيتضاعف الأجر فيه ، ومثل ذلك لا يتأتّى في العمل ، مثاله : من جلس في المسجد بنيّة الاعتكاف، ونيّة انتظار الصلاة، ونية الخلوة والعزلة عن شواغل القلب، ونية زيارة بيت اللّه تعالى ، ونية حفظ الجوارح من المعاصي؛ تعظيما لبيت اللّه تعالى وحياء منه ، فإنّه لا يكون كمن جلس بإحدى هذه النيّات الخمس . وقيل : إنّما كانت نية المؤمن خيرا من عمله لأنّ عمله مقيَّد بطاقته ووسعه ؛ فإنّه لا يقدر أن يعمل من الأعمال الصالحة إلّا ما يطيقه ، بخلاف نيّته للخيرات والأعمال


[١] لم نقف عليه.[٢] لم نقف عليه.[٣] سورة القدر ، الآية ٣ .[٤] راجع: فقه الرضا ، ص ٣٧٩ و رسائل الشريف المرتضى ، ج ٣ ، ص ٢٣٢ ـ ٢٤٠ ، في المسألة (٤١) تحقيقا حول قول النبيِّ صلى الله عليه و آله : نية المؤمن خير من عمله ، فقال : جرى بالحضرة السامية الوزيرية العادلة المنصورة ـ أعلى اللّه شأنها ومكانها وأدام سلطانها ـ في بعض الكلام فيما روي عن النبي صلى الله عليه و آله من قوله : نية المؤمن خير من عمله. فقال : إنّ على هذا الخبر سؤالاً قويّا ، وهو أن يقال : إذا كان الفعل إنما يوصف بأنّه خير من غيره ، إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه ، فكيف يجوز أن يكون النية خيرا من العمل؟ ، ومعلوم أنّ النيّة أخفض ثوابا من العمل ، وأنه لا يجوز أن يلحق ثواب النية بثواب العمل . ولهذا قال أبو هاشم : إنّ العزم لابدّ أن يكون دون المعزوم عليه في ثواب وعقاب ، وردّ على أبي علي قوله : إنّ العزم على الكفر يجب أن يكون كفرا ، والعزم على الكبير لابدّ أن يكون كبيرا ؛ بأن قال له : لا يجب أن يساوي العزم والمعزوم عليه في ثواب ولا عقاب. فإن كان هاهنا دليل سمعي يدلّ على أن العزم على الكفر كفر ، والعزم على الكبير كبير ، صرنا إليه ، إلّا أنه لابدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه ، وإن اجتمعا في الكفر والكبير. ووقع من بالحضرة السامية العادلة المنصورة من التقرير كذلك والخوض فيه كل دقيق غريب مستفاد ، وهذه عادتها جرى اللّه تعالى نعمتها في كل فن من فنون العلم والأدب ؛ لأنها ينتهي من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلّا ذلك الفن ولا يقوم إلّا بذلك النوع . وقال بعض من حضر : قد قيل في تأويل هذا الخبر وجهان حسنان. فقلت له : اذكرهما ؛ فربما كان الذي عندي فيه مما استخرجته. فقال : أحدهما : يجوز أن يكون المعنى : إنّ نية المؤمن خير من عمله العاري من نية. فقلت : لفظة أفعل لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا في الصفة ، وزاد أحدهما فيها على الآخر . ولهذا لا يقول أحد: إن العسل أحلى من الخل ، ولا أنّ النبيّ أفضل من المتنبي ، والعمل إذا عري من نية لا خير فيه ولا ثواب عليه ، فكيف تفضل النية الجميلة عليه وفيها خير وثواب على كل حال . وقال: الوجه الآخر : أن يكون نية المؤمن في الجميل خير من عمله الذي هو معصية. فقلت : وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأوّل ؛ لأنَّ المعصية لا خير فيها ، فيفضل غيرها عليها فيه. وقالت الحضرة السامية ؛ تحقيقا لذلك وتصديقا: هذا هجو لنية المؤمن ، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها ، وأيّ فضل لها في أن يكون خيرا من المعاصي ، وإنّما الفضل في أن تكون خيرا مما فيه خير. فسئلت حينئذ ذكر الوجه الذي عندي ، فقلت : لا تحمل لفظة خير في الخبر على معنى أفعل الذي هو للتفضيل والترجيح ، وقد سقطت الشبهة . ويكون معنى الكلام : إنّ نيّة المؤمن من جملة الخير من أفعاله ، حتى لا يقدر مقدِّر أن النية لا يدخلها الخير والشر ، كما يدخل ذلك في الأعمال . فاستحسن هذا الوجه الذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة خير معناها معنى أفعل . وانقطع الكلام لدخول الوقت السعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية ـ أدام اللّه سلطانها ـ للركوب ، وكان في نفسي أن أذكر شواهد لهذا الوجه ، ولواحقَ يقتضيها الكلام . وخطر بعد ذلك ببالي ـ إن شاء اللّه ـ وجهان سليمان من الطعن إذا حملنا لفظة خير في الخبر على معنى الترجيح والتفضيل ، وأنا أذكر ذلك : أما شواهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة خير على غير معنى التفضيل والترجيح فكثيرة . وقد ذكرت ذلك في كتابي المعروف بالغرر ، في تأويل قوله تعالى : ��ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا» من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته ، وذكرت قول المتنبي : { أبعد بعدت بياضا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم } وأنّ الألوان لا يتعجب منها بلفظ: أفعل ، الموضوع للمبالغة ، وكذلك الخلق كلها ، وإنما يقال : ما أشد سواده ، وإن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جني من أنه أراد أنك أسود من جملة الظلم ، كما يقال : حرٌّ من الأحرار ولئيم من اللئام ، فيكون الكلام قد تم عند قوله: من الظلم . واستشهد ابن جنّي أيضا على صحّة هذا التأويل بقول الشاعر : { وأبيض من ماء الحديد كأنه شهاب بدا والليل داج عساكره } كأنه يقول : وأبيض كأنّ من ماء الحديد ، وقلت أنا : { يا ليتني مثلك في البياض أبيض من اُخت بني أباض } يمكن حمله على ما حملناه عليه بيت المتنبي ، كأنه قال : من جملة اُخت بني أباض ومن عشيرتها وقومها ، ولم يُرد المبالغة والتفضيل . وهذا أحسن من قول أبي العباس المبرَّد ـ لما أنشد هذا البيت وضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الاُصول الصحيحة ـ أن ذلك محمول على الشذوذ والندران. فإن قيل : كيف يكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل ، والنية لا يسمى في العرف عملاً ، وإنما تسمّى بالأعمال: أفعال الجوارح ، ولهذا لا يقولون: عملت بقلبي ، كما يقولون: عملت بيدي ، ولا يصفون أفعال اللّه بأنها أعمال ؟ قلنا : ليس يمتنع أن يسمّى أفعال القلوب أنها أعمال وإن قل استعمال ذلك فيها ؛ ألا ترى أنهم لا يكادون يقولون: فعلت بقلبي ، كما يقولون: «فعلت بجوارحي» وإن كانت أفعال القلوب لا تستحق التسمية بالفعلية حقيقة بلا خلاف . وإنما لا تسمّى أفعال اللّه تعالى بأنها أعمال ؛ لأنّ هذه اللفظة تختصُّ بالفعل الواقع من قدرة ، والقديم تعالى قادر لنفسه ، كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب ؛ لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجر نفع أو دفع ضرر. ثم لو سلّمنا أن اسم الفعل يختص بأفعال الجوارح ، جاز أن يطلَق ذلك على النية مجازا واستعارة ، وباب التجوّز أوسع من ذلك. وأما الوجهان اللذان خطر ببالي إن قدَّرنا لفظة «خير» في الخبر محمولة على الفاضلة : فأحدهما : أن يكون المراد : نية المؤمن مع عمله خير من عمله العاري عن نية ، وهذا مما لا شبهة في أنه كذلك. والوجه الثاني : أن يريد به : نية المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية . وهذا صحيح ؛ لأنّ النية لا تجوز أن تكون خيرا من عملها نفسها ، وغير منكر أن يكون نية بعض الأعمال الشاقّة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها ، حتى لا يظنَّ ظانٌّ أنّ ثواب النية لا يجوز أن يتساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال. وهذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر ؛ لإدخال زيادة ليست في الظاهر ، والتأويل الأول إذا حملنا لفظة «خير» على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر وغير مخالف له . وفي هذا كفاية بمشية اللّه وعونه.