الأربعون الودعانية

الأربعون الودعانية - ابونصر ابن ودعان - الصفحة ٢٦٠

و «القسوة» و «القساوة »: غلظ القلب وشدّته ، فيقال : حجر قاسٍ ، أي: صلب ، وقال اللّه تعالى : «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً» [١] ، وقال تعالى : «فَوَيْلٌ لِلْقَـاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللّه » [٢] ، ويقال : الذنب مقساة للقلب ، أي: سبب لقسوته ، فعلى هذا يكون فضول المطعم موجبة لقسوة القلب من جهتين : من جهة أنّها ذنب ؛ لأنّها تبذير وإسراف ، ومن جهة أنها توسّع مجاري الشيطان ـ وهي العروق ـ وتقوّيها وتولّد الكسل والبلادة ، وتقتضي الرغبة في الدنيا لتحصيل فضول المطعم ، وكل هذه الأسباب مقتضية لقسوة القلب ومانعة من رقّته . «جوارح الإنسان» : أعضاؤه التي يكتسب بها ، وإنّما تُبطِئ كثرة الأكل بالجوارح عن الطاعة؛ لما يحدثه من الكسل والبلادة وثقل المعدة بسبب شرب الماء وكثرة النوم وكثرة الحاجة إلى تجديد الطهارة . والباء في قوله : «بالجوارح» للتعدية ؛ يقال أبطأ زيد ، أي: تأخَّر مجيؤه ، وأبطأ زيد بعمرو ، أي: أخَّر زيد مجيء عمر . «ويُصمُّ الهمم» أي: يجعلها صمّا ، والأصمّ : الذي لا يسمع ، والهمّ: جمع همّة ، وهي العزيمة ؛ وإنّما تصمُّ كثرة الأكل الهمم عن سماع الموعظة لِما قلنا من إبطائها بالجوارح عن الطاعة . «فضول النظر»: هو النظر لغير ضرورة ولغير عبرة وموعظة، كالنظر إلى متاع الدنيا ، أي: زينتها و زهرتها و شَهواتها التي امتحن اللّه سبحانه بها أبناء الدنيا وشغلهم بها عن طلب الآخرة . و «البذر» : القاء الحَبّ في الأرض . و «الهوى» : ميل النفس وشهواتها . شبّه فضول النظر في توليدها للشهوات في القلب بالحَبِّ المبذور في الأرض في تولّد الزرع منه ، ولهذا نهى اللّه سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه و آله عن النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها بقوله تعالى : «وَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ


[١] سورة البقرة ، الآية ٧٤ .[٢] سورة الزمر ، الآية ٢٢ .