ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢٦ - الإشكال الثالث عدم الانتفاع بوجوده
بقوله:((وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ...))، ثم قال: ((بَلْ رَفَعَهُ اللهِ إليهِ وَكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيماً)).[١]
وهنا يتساءل المرء عن حكمة رفعه إلى السماء، وعن فائدة بقائه حيّاً منذ أن رُفع إلى أن ينزل في آخر الزمان، فلا يكاد يجد جواباً شافياً، وما عليه إلاّ التسليم لذلك... التسليم النابع من الإيمان العميق الواعي بأنّ كلّ أمر لحكمة.
يذكر أنّ المشهور بين المسلمين أنّ عيسى(عليه السلام) حيّ، وأنّه سينزل في آخر الزمان، وعند ظهور المهدي، وأنّ نزوله من أشراط الساعة.
وقد وردت في هذا الشأن أحاديث كثيرة، رواها الحفّاظ والمحدّثون، ومنهم البخاري ومسلم، اللّذان خصّصا لها باباً في صحيحيهما سمّياه (باب نزول عيسى(عليه السلام))، وإليك ما جاء في هذا الباب من صحيح البخاري:
١. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والذي نفسي بيده، ليوشكنَّ أن يَنزل فيكم ابنُ مريم حَكَماً عَدْلاً...» ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم:((وَإنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهيداً))[٢].[٣]
قال ابن حجر العسقلاني، وهو يشرح الرواية المذكورة: قوله «حَكماً» أي حاكماً، والمعنى أنّه ينزل حاكماً بهذه الشريعة، فإنّ هذه الشريعة باقية لا تُنسخ، بل يكون عيسى حاكماً من حكّام هذه الأُمّة.[٤]
[١] النساء:١٥٧ـ ١٥٨.
[٢]النساء:١٥٩.
[٣] صحيح البخاري:٢/٤٠٢، باب ٥١، برقم ٣٤٤٨. طبعة دار الكتب العلمية، ١٤١٩هـ. وانظر: صحيح مسلم:١/٩٣.
[٤] فتح الباري:٦/٤٩١.