ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨ - كلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية
ثم قال: وقد يراد بالجسم:
٥. ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد ]العلاّمة الحلّي[بقوله: «ليس بجسم» هذا المعنى، قيل له: هذا المعنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلاً على نفيه.[١]
يلاحظ عليه: أنّ الجسم من المفاهيم الواضحة في العرف وليس مشتركاً بين هذه المعاني التي أخذها من الفلاسفة والمتكلّمين، فالصحابة عندما سمعوا قوله سبحانه: ((إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً في الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ))[٢]، أو قوله سبحانه: ((وَإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسامُهُم))[٣] لم يخطر ببال أحد منهم أي واحد من المعاني المذكورة حتى المعنى الأخير الذي اختاره وقال عنه: «هذا المعنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تقم دليلاً على نفيه».
فالجسم عند العرب الأقحاح عامّة ما جاء نموذجه في نفس الآيتين نظير: طالوت في الآية الأُولى، والمنافقين في الآية الثانية. فكلّ شيء كان كهذين النموذجين فهو جسم، والذي يجمع الجميع هو اشتماله على الطول والعرض والعمق، فلو قلنا ـ والعياذ بالله ـ : إنّه سبحانه جسم، فلا محيص من اشتماله على ما اشتملت عليه سائر الأجسام من الأبعاد الثلاثة.
[١] منهاج السنّة النبوية: ٢/١٣٤ـ ١٣٥، وفي طبعة بولاق: ١ / ١٨٠.
[٢] البقرة:٢٤٧.
[٣] المنافقون:٤.