ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣ - ٣ الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية
هبْ أنّه صحّ تأويل قوله سبحانه: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) بالمعيّة، فبماذا يفسّر قوله سبحانه: ((ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أينَ ما كَانُوا ثُمَّ يُنَبّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم))[١]؟! فإنّ الآية صريحة في حضوره سبحانه بين الثلاثة وهو رابعهم، وبين الخمسة وهو سادسهم، لا أنّه مستقر في عرشه ينظر إلى مادونه فيعلم بما يجري بين العباد.
ثمّ إنّ الرجل لمّا لم يوفّق لتفسير المعيّة، تصوّر أنّ القول بالمعيّة يستلزم الحلول، ومن المعلوم أنّ الحلول في المخلوقات كفر بواح، لا يتكلّم
به المتشرّع المؤمن بكتابه وسنّة رسوله، وإنّما المراد بالمعيّة، المعيّة
القيّوميّة، فهو مع كونه خارجاً عن مخلوقاته لكن لا بنحو تنقطع صلته بهم، بل هو مع كونه موجوداً بنفسه، لكن عالم الإمكان قائم به قيام صدور لا قيام حلول.
وإذا أردنا أن نصوّر ذلك بتصوير أدنى فلنذكر هذا المثال:
إنّ النفس الإنسانية مع علوِّها واستقلالها، لكن الصور الإبداعية التي تخلقها في عالمها قائمة بها، فلا الصور داخلة في النفس، ولا النفس منقطعة عنها، بشهادة أنّ النفس لو ذهلت عن الصور لم يبق منها شيء، فمن قال بالمعيّة ـ تبعاً للذكر الحكيم ـ إنّما يريد المعيّة القيّوميّة، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام): «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».[٢]
[١] المجادلة:٧.
[٢] نهج البلاغة: الخطبة١.