ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٧٠ - ٢ رمي الشيعة بتهم لا واقع لها
(يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ الله))،[١] لكن نرى أنّ القرآن يعترف بمدبِّريّة غير الله سبحانه حيث يقول:((فَالمُدَبِّراتِ أمْراً)).[٢]
ـ إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى الله سبحانه إشارة إلى الجانب التسبيبي وإلى الإنسان إشارة إلى الجانب المباشري) بقوله: ((وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكنَّ اللهَ رَمَى)).[٣]
فهو يصف النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول: ((إذْ رَمَيْتَ))، لكنّه يصف الله سبحانه بأنّه الرامي الحقيقي، وما ذلك إلاّ لأنّ النبي إنّما قام بما قام، بالقدرة التي منحها الله له، وكان مفيضاً لها عليه حين الفعل، فيكون فعله فعلاً لله أيضاً.
وهذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقَّة في تفسير التوحيد في الخالقية. وفي الحديث القدسي إشارة إليها.
يقول: «يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك، وبقوتي أدّيتَ إليّ فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً».[٤]
ثمّ إنّ هذه النظرية، على تقاريرها المختلفة من حيث الدقّة والرقّة[٥]، ممّا
[١] يونس: ٣١.
[٢]النازعات:٥.
[٣] الأنفال:١٧.
[٤]بحار الأنوار: ٥ / ٥٧.
[٤] إنّ تفسير مسألة «الأمر بين الأمرين» وأنّ فعل العبد في حال كونه فعله، فعلاً لله سبحانه، يختلف حسب اختلاف الأفهام في المقام، فيفسره المتكلم على نمط يناسب أبحاثه، فيصور كونه سبحانه فاعلاً بالتسبيب من حيث إنّه أعطى القدرة والحياة للعبد، فلولاه لما قدر العبد على العمل، وأمّا الحكيم الإلهي فيرى الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال، وترتبها في القرب والبعد من الحق تعالى، قائمة بذاته سبحانه، فهو مع بساطته ينفذ نوره في الموجودات الإمكانية، عامّة. ولا توجد ذرة من ذرات الأكوان الوجودية، إلاّ ونوره محيط بها، قاهر عليها، وهو قائم على كل نفس بما كسبت، وهو مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة.
فإذاً كما أنّه ليس في الوجود شأن إلاّ وهو شأنه كذلك، ليس في الوجود فعل إلاّ وهو فعله، لا بمعنى أنّ فعل زيد ليس فعلاً له، بل بمعنى أنّه فعل زيد مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فهو فعله سبحانه كذلك. فهو مع غاية عظمته وعلوه، ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدسه لا تخلو منه أرض ولا سماء. فإذاً نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيحة، كما أنّ نسبتها إلى الله تعالى كذلك.