الشعائر الحسينية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٩ - تعريف البكاء
السعي نحو تحصيل ذلك الكمال .. وعلى عكس المقولة المعترضة على ظاهرة البكاء بأنّه يُعدّ مفرّغاً للطاقة، بل هو يزيد سعرات الطاقة ويسرّع حركة النفس نحو تحصيل ذلك الكمال .. نعم هو مفرّغ للحصر النفسيّ- كما يعبّر به علماء النفس- لا أنّه يوجب تخفيف تشوق النفس نحو المطلوب ونحو المُتشوَّق إليه.
أمّا لو فقد الإنسان شيئاً- وكان ذلك الشيء موجوداً عند صديقه- وبكى لأجل إزالة الشيء عن صديقه وحصوله عنده .. فهذا نوع من الحسد طبعاً، إن كانت المعلومة صادقة، وهي فقد ذلك الكمال .. ولكن تأثّره موجّه باتّجاه أن يسعى لإزالة كمال عن الآخرين .. ولا ريب أنّ هذا التأثّر سلبيّ وليس تأثّراً ايجابيّاً. فتارة تكون المعلومة صادقة ولكنّ التأثّر خاطئ ..
أو أنّ الإنسان قد يفقد أعزّ أحبّته فيتأثّر وهو جيّد .. لكن إذا اشتدّ البكاء أو تحوّل إلى حالة من السخط والجزع والاعتراض على اللَّه سبحانه أو فهذا المظهر يكون خاطئاً، وإن كانت المعلومة صادقة، لأنّ تأثّره وجّه بتوجيه خاطئ، ولغاية معيّنة. وإنّ أيّ فعل عمليّ ترتكبه النفس، كأي فعل إدراكيّ ترتكبه النفس دائماً يكون لغاية .. فلابدّ أن نلاحظ العلّة، ونلاحظ العلل الفرعيّة .. والعلّة الغائيّة .. كما في العلّة الماديّة والصوريّة ..
فحينئذ، إذا كان البكاء منطلقاً ومتولّداً من معلومة حقيقيّة، فيكون صحيحاً ..
وإذا كان تأثّره موجّهاً إلى غاية كماليّة هادفة، فإنّه أيضاً يكون إيجابيّاً وسليماً ..
بخلاف البكاء الذي يكون لأجل غاية سلبيّة .. وبخلافه ما إذا كان مع الصبر والتحمّل.
والبكاء إنّما يحصل للتأثّر ولبيان المحبة التي كانت بين الباكي وبين المفقود