تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٢٠ - ١٩٦٥ ـ الخضر
صاحب الخضر ، قالت : وأنا امرأة الخضر ، فتزوجها فولدت له ، وكانت ماشطة ابنة فرعون.
فقال أسباط عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنها بينا هي تمشط ابنة فرعون سقط المشط من يدها فقالت : سبحان ربي ، فقالت ابنة فرعون : أبي ، قالت : لا ، ربي ورب أبيك ، فقالت : أخبر أبي؟ قالت : نعم ، فأخبرته فدعا بها ، وقال : ارجعي ، فأبت ، فدعا ببقرة [١] من نحاس ، وأخذ بعض ولدها فرمى به في البقرة وهي تغلي ، ثم قال : ترجعين؟ قالت : لا ، فأخذ الولد الآخر حتى ألقى أولادها أجمعين ، ثم قال لها : ترجعين؟ قالت : لا ، فأمر بها قالت : إنّ لي حاجة ، فقال : وما هي؟ قالت : إذا ألقيتني في البقرة فأمر بالبقرة أن تحمل ثم تكفأ في بيتي الذي على باب المدينة ، وتنحّي البقرة وتهدم البيت علينا حتى يكون قبورنا ، فقال : نعم ، إن لك علينا حقا ، قال : ففعل بها ذلك.
قال ابن عباس ، قال النبي ٦ : «مررت ليلة أسري بي فشممت رائحة طيبة ، فقلت : يا جبريل ، ما هذا؟ فقال : هذا ريح ماشطة [ابنة][٢] فرعون وولدها» [٣٩٩٤].
قال القاضي [٣] : في هذين الخبرين عظة ومعتبر ، وتنبيه لمن عقل ومزدجر ، وفي بعض ما اقتضى [٤] فيها ما دعا ذوي النهى إلى الصدق وحفظ الأمانة ، وحذّر من ركوب الغدر والخيانة ، وفي خزن السر وحياطته وصونه وحراسته ما لا يختل [٥] على الألباء وفور فضيلته كما لا يذهب عليهم ما في إفشائه وإضاعته من سقوط القدر ، وقبيح الذكر ، وما يكسب صاحبه من حطّه عن منزلته من يشرف ويعتمد عليه ، ويؤتمن ويركن في جلائل الخطوب إليه ، والناس في هذين الخلقين المتناقضين معافى مكرم ، ومبتل مذمم ، وقد قال بعض من افتخر بالخلق الكريم منهما :
[١] كذا ، وفي الجليس الصالح وبغية الطلب : بنقرة. والنقرة : قدر يسخن فيها الماء وغيره (اللسان) ، وقد يكون سمي هذه القدر الكبيرة «بقرة» إما لأنها كبيرة واسعة كالبقرة لكبرها ، وإما لأنها قد تكون صنعت على صورة بقرة؟! والله أعلم.
[٢] الزيادة عن الجليس الصالح.
[٣] هو أبو الفرج المعافي بن زكريا صاحب كتاب الجليس الصالح الكافي.
[٤] الأصل وم «اقتص» والمثبت عن الجليس الصالح.
[٥] الجليس الصالح : يحيل.