الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٨٩
الشهود في دعواها لأن المدعي إنما افتقر للشهود له لارتفاع العصمة عنه و جواز ادعائه الباطل فيستظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم و جحد الحقوق الواجبة عليهم و إذا كانت العصمة مغنية عن الشهادة وجب القطع على قول فاطمة ع و على ظلم مانعها فدكا و مطالبها بالبينة عليها.
و يكشف عن صحة ما ذكرناه أن الشاهدين إنما يقبل قولهما على الظاهر مع جواز أن يكونا مبطلين كاذبين فيما شهدا به و ليس يصح الاستظهار على قول من قد أمن منه الكذب بقول من لا يؤمن عليه ذلك كما لا يصح الاستظهار على قول المؤمن بقول الكافر و على قول العدل البر بقول الفاسق الفاجر.
و يدل أيضا على ذلك
أَنَّ النَّبِيَّ ص اسْتَشْهَدَ عَلَى قَوْلِهِ فَشَهِدَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فِي نَاقَةٍ نَازَعَهُ فِيهَا مُنَازِعٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ يَا خُزَيْمَةُ أَنَّ هَذِهِ النَّاقَةَ لِي أَ شَهِدْتَ شِرَايَ لَهَا فَقَالَ لَا وَ لَكِنِّي عَلِمْتُ أَنَّهَا لَكَ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَجَازَ النَّبِيُّ ص شَهَادَتَهُ كَشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَ حَكَمَ بِقَوْلِهِ.
فلو لا أن العصمة دليل الصدق و تغني عن الاستشهاد لما حكم النبي ص بقول خزيمة بن ثابت وحده و صوبه في الشهادة له على ما لم يره و لم يحضره باستدلاله عليه بدليل نبوته و صدقه على الله سبحانه فيما أداه إلى بريته.
و إذا وجب قبول قول فاطمة ع بدلائل صدقها و استغنت عن الشهود لها ثبت أن من منع حقها و أوجب الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه و ظلم في فعله و آذى الله تعالى و رسوله ص بإيذائه لفاطمة ع و قد قال الله جل جلاله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً[١]
[١]- الأحزاب/ ٥٧.