الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ١٠١
ع فَرَدَدْتُهُ وَ قُلْتُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى شُغُلٍ فَمَضَى ثُمَّ عَادَ ثَانِيَةً فَقَالَ لِي اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ عَلَى شُغُلٍ فَجَاءَ ثَالِثَةً فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص قَدْ كُنْتُ سَأَلْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَنِي بِكَ دَفْعَتَيْنِ وَ لَوْ أَبْطَأْتَ عَلَيَّ الثَّالِثَةَ لَأَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَأْتِيَنِي بِكَ.
فلو لا أن النبي ص سأل الله عز و جل أن يأتيه بأحب خلقه إليه في نفسه و أعظمهم ثوابا عنده و كانت هذه من أجل الفضائل لما آثر أنس أن يختص بها قومه و لو لا أن أنسا فهم ذلك من معنى كلام الرسول ص لما دافع أمير المؤمنين ع عن الدخول ليكون ذلك الفضل لرجل من الأنصار فيحصل له جزء منه.
و شيء آخر و هو أنه لو احتمل معنى لا يقتضي الفضيلة لأمير المؤمنين ع لما احتج به أمير المؤمنين ع يوم الدار و لا جعله شاهدا على أنه أفضل من الجماعة و ذلك أنه لو لم يكن الأمر على ما وصفناه و كان محتملا لما ظنه المخالفون من أنه سأل ربه أن يأتيه بأحب الخلق إليه في الأكل معه لما أمن أمير المؤمنين ع من أن يتعلق بذلك بعض خصومه في الحال أو يشتبه ذلك على إنسان فلما احتج به أمير المؤمنين ع على القوم و اعتمده في البرهان دل على أنه لم يكن مفهوما منه إلا فضله و كان إعراض الجماعة أيضا عن دفاعه عن ذلك بتسليم ما ادعاه دليلا على صحة ما ذكرناه.
و هذا بعينه يسقط قول من زعم أنه يجوز مع إطلاق النبي ص في أمير المؤمنين ع ما يقتضي فضله عند الله تعالى على الكافة وجود من هو أفضل منه في المستقبل لأنه لو جاز ذلك لما عدل القوم عن الاعتماد عليه و لجعلوه شبهة في منعه مما ادعاه من القطع على نقصانهم عنه في الفضل و في عدول القوم عن ذلك دليل على أن القول مفيد بإطلاقه فضله ع و مؤمن من بلوغ أحد منزلته في الثواب بشيء من الأعمال و هذا بين لمن تدبره