الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٦٣
فإن قال قائل إن محنة إسماعيل ع أجل قدرا من محنة أمير المؤمنين ع و ذلك أن أمير المؤمنين ع قد كان عالما بأن قريشا إنما تريد غيره و ليس غرضها قتله و إنما قصدها لرسول الله ص دونه فكان على ثقة من السلامة و إسماعيل ع كان متحققا لحلول الذبح به من حيث امتثل الأمر الذي نزل الوحي به فشتان بين الأمرين.
قيل له إن أمير المؤمنين ع و إن كان قد كان عالما بأن قريشا إنما قصدت رسول الله ص دونه فقد كان يعلم بظاهر الحال و ما يوجب غالبا الظن من العادة الجارية شدة غيظ قريش على من فوت غرضهم في مطلوبهم و من حال بينهم و بين مرادهم من عدوهم و من لبس عليهم الأمر حتى ضلت حيلتهم و خابت آمالهم من أنهم يعاملونه بأضعاف ما كان في أنفسهم أن يعاملوا صاحبه لتزايد حقنهم و حقدهم و اعتراء الغضب لهم فكان الخوف منه عند هذه الحال أشد من خوف الرسول ص و اليأس من رجوعهم عن إيقاع الضرر به أقوى من يأس النبي ص. و هذا هو المعروف الذي لا يختلف فيه اثنان لأنه قد كان يجوز منهم عند ظفرهم بالنبي ص أن تلين قلوبهم له و يتعطفوا للنسب و الرحم التي بينهم و بينه و يلحقهم من الرقة عليه ما يلحق الظافر بالمظفور به فيبرد قلوبهم و يقل غيظهم و تسكن نفوسهم و إذا فقدوا المأمول من الظفر به و عرفوا وجه الحيلة عليهم في فوتهم غرضهم و علموا أنه بعلي ع تم ذلك ازدادت الدواعي لهم إلى الإضرار به و توفرت عليه و كانت البلية أعظم على ما شرحناه.
على أن إسماعيل ع قد كان يعلم أن قتل الوالد لولده لم يجر به عادة من الأنبياء و الصالحين و لا وردت به فيما مضى عبادة فكان يقوى في نفسه أنه على