الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٢٤٢
عمر لم يكن عن عقد و نية و لكنه كان منه على سبيل الإرهاب لئلا يطمع أهل النفاق فإن زعم ذلك قيل له إن هذا التخريج لا يصح على ظاهر مقال الرجل و لا يلائم ما كان منه في الحال لأنه أخرجه مخرج الجد و أبان عما يبان به عن الاعتقاد فأكده بالقسم و الأيمان و لو كان على ما ظننت من أنه أراد الاستصلاح ما كان يورد ذلك على الوجه الذي يقع به الضلال و لا يؤكده التأكيد الذي يدل به السامعين على وجود اعتقاد صدقه في ظاهره و باطنه و لما كان لقوله عند سماع الآية من أبي بكر كأني و الله ما سمعتها قط و لا علمت أنها في القرآن معنى و لقال عند اجتماع الكلمة على الوفاة للناس اعلموا أيها الناس أني لم أك جاهلا بوفاة الرسول و إنما أظهرت ما أظهرت من الكلام للإرهاب و الاستصلاح و في يمين عمر بالله تعالى أنه لما سمع الآية تنبه بها على غلطه في المقال و كان قبلها كأن لم يسمعها قط دليل على بطلان قول من تخرج له ما قدمناه.
و إذا بطل أن يكون الرجل أراد بما أظهره الاستصلاح و بطل أن يكون ما قاله لشبهة دخلت عليه دعته إلى ذلك المقال لم يبق إلا أنه أراد الفساد في الدين و سلك طريق العناد على أنه مع الأمر الذي يخرجونه له في ذلك لا ينفك من إظهار الباطل و التصريح بالكذب في الأخبار و الإذاعة بما يدعو إلى الجهل و الضلال و هذا بين لذوي الألباب.
على أن المقدار من الزمان الذي أظهر فيه عمر بن الخطاب من القول ما حكيناه ثم رجع عنه لم يكن موهوما فيه أن لو صمت عن ذلك أو اعتمد على غيره مما لا يخرج به على ظاهر الحق و وقوع الفساد على معهود العادات.
و بعد فما بال أبي بكر لم يسبقه إلى هذا الاستصلاح و غيره من المهاجرين و الأنصار بل ما باله لما أمره أبو بكر بالإنصات لم يجبه إلى ذلك حتى تركه و عدل