الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٦١
على الفراش و هل يقارب ذلك أو يساويه فوجدناه يزيد في الظاهر عليه و ذلك أن إبراهيم ع قال لابنه إسماعيل ع إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[١] فاستسلم لهذه المحنة مع علمه بإشفاق الوالد على الولد و رأفته به و رحمته له و أن هذا الفعل لا يكاد يقع من الوالد بولده بل لم يقع فيما سلف و لم يتوهم فيما يستقبل و كان هذا أمرا يقوى في ظن إسماعيل أن المقال مع أبيه خرج مخرج الامتحان له في الطاعة دون تحقق العزم على إيقاع الفعل فيزول كثير من الخوف معه و ترجى السلامة عنده.
و أمير المؤمنين ع دعاه أبو طالب رحمه الله إلى المبيت على فراش النبي ص و فدائه بنفسه و ليس له من الطاعة عليه ما للأنبياء ع على البشر و لم يأمره بذلك عن وحي من الله تعالى كما أمر إبراهيم ع ابنه و أسند أمره إلى الوحي و مع علم أمير المؤمنين ع أن قريشا أغلظ الناس على رسول الله ص و أقساهم قلبا و ما يعرفه كل عاقل من الفرق بين الاستسلام للعدو المناصب و المبغض المعاند الذي يريد أن يشفي نفسه و لا يبلغ الغاية في شفائها إلا بنهاية التنكيل و غاية الأذى بضروب الآلام و بين الاستسلام للولي المحب و الوالد المشفق الذي يغلب في الظن أن إشفاقه يحول بينه و بين إيقاع الضرر بولده أما مع طاعة الله تعالى بالمسألة و المراجعة أو بارتكاب المعصية ممن يجوز عليه ارتكاب المعاصي أو بحمل ذلك منه على ما قدمناه من الاختبار و التورية في الكلام ليصح له مطلوبه من الامتحان.
و إذا كانت محنة أمير المؤمنين ع أعظم من محنة إسماعيل
[١]- الصافّات/ ١٠٢.