الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٣٣٠
ملوك زمان مولده و مولد آبائه خلاف ذلك من اعتقادهم فيمن ظهر منهم يدعو إلى إمامة نفسه أو يدعو إليه داع سفك دمه و استئصال أهله و عشيرته و هذا أيضا فرق بين الأمرين.
و شيء آخر و هو أن رسول الله ص مكث ثلاث عشرة سنة يدعو بمكة إلى دينه و الاعتراف بالوحدانية و بنبوته و يسفه جميع من خالفه و يضللهم و يسب آلهتهم فلم يقدم أحد منهم على قتله و لا رام ذلك و لا استقام لهم نفيه عن بلادهم و لا حبسه و لا منعه من دعوته و نحن نعلم علما يقينا لا يتخالجنا فيه الشك بأنه لو ظن أحد من ملوك هذه الأزمان ببعض آل أبي طالب أنه يحدث نفسه بادعاء الإمامة بعد مدة طويلة لسفك دمه دون أن يعلم ذلك و يتحققه فضلا عن أن يراه و يجده.
و قد علم أهل العلم كافة أن أكثر من حبس في السجون من ولد رسول الله ص و قتل بالغيلة إنما فعل به ذلك على الظنة و التهمة دون اليقين و الحقيقة و لو لم يكن أحد منهم حل به ذلك إلا موسى بن جعفر ع لكان كافيا و من تأمل هذه الأمور و عرفها و فكر فيما ذكرناه و تبينه انكشف له الفرق بين النبي و بين الإمام فيما سأل عنه هؤلاء القوم و لم يتخالجه فيه ارتياب و الله الموفق للصواب.
و بهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال أ ليس الرسول قد ظهر في أول أمره و عرفت العامة و الخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على نفسه فقد كان يجب أن يكون تدبير الإمام في ظهوره و استتاره كذلك مع أن الاتفاقات ليس عليها قياس و الألطاف و المصالح تختلف في أنفسها و لا تدرك حقائقها إلا بسمع يرد عن عالم الخفيات جلت عظمته فلا يجب أن نسلك في معرفتها طريق الاعتبار.
و ليس يستتر هذا الباب إلا على من قل علمه بالنظر و بعد عنه الصواب و الله نستهدي إلى سبيل الرشاد