الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٨٥
بطل ما اعتمدت عليه.
فقال أسباب غلبة الظن معروفة و هي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن سلك هذا الطريق نجا و إن سلك غيره هلك و إن اتجر في ضرب من المتاجر ربح و إن اتجر في غيره خسر و إن ركب إلى ضيعة و السماء متغيمة مطر و إن ركب و هي مصحية سلم و إن شرب هذا الدواء انتفع و إن عدل إلى غيره استضر و ما أشبه ذلك و من خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه.
فقلت له إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه و بين الشريعة و أحكامها و ذلك أنه ليس شيء منه إلا و للخلق فيه عادة و به معرفة فإنما يغلب ظنونهم حسب عاداتهم و أمارات ذلك ظاهرة لهم و العقلاء يشتركون في أكثرها و ما اختلفوا فيه فلاختلاف عاداتهم خاصة و أما الشريعة فلا عادة فيها و لا أمارة من دربة و مشاهدة لأن النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته و ظاهر معناه و اتفاق المختلف في الحكم و ليس للعقول في رفع حكم منها و إيجابه مجال و إذا لم يك فيها عادة بطل غلبة الظن فيها.
أ لا ترى أنه من لا عادة له بالتجارة و لا سمع بعادة الناس فيها لا يصح أن يغلب ظنه في نوع منها بربح و لا خسران و من لا معرفة له بالطرقات و لا بأغيارها و لا له عادة في ذلك و لا سمع بعادة أهلها فليس يغلب ظنه بالسلامة في طريق دون طريق.
و لو قدرنا وجود من لا عادة له بالمطر و لا سمع بالعادة فيه لم يصح أن يغلب في ظنه مجيء المطر عند الغيم دون الصحو و إذا كان الأمر كما بيناه و كان الاتفاق حاصلا على أنه لا عادة في الشريعة للخلق بطل ما ادعيت من غلبة الظن و قمت مقام الأول في الاقتصار على الدعوى.
فقال هذا الآن رد على الفقهاء كلهم و تكذيب لهم فيما يدعونه من غلبة