الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٤٨
و ليس كذلك قوله تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ لأن الكلام يتم فيها و ينتظم في وقوع الكناية عن النبي ص خاصة دون الكائن معه في الغار و لا يفتقر إلى رد الهاء عليهما معا مع كونها في الحقيقة كناية عن واحد في الذكر و ظاهر اللسان و لو أراد بها الجميع لحصل الالتباس و التعمية و الإلغاز لأنه كما يكون التلبيس واقعا عند دليل الكلام على انتظامها للجميع متى أريد بها الواحدة مع عدم الفائدة لو لم يرجع على الجميع كذلك يكون التلبيس حاصلا إذا أريد بها الجميع عند عدم الدليل الموجب لذلك و كمال الفائدة مع الاقتصار على الواحد في المراد.
أ لا ترى أن قائلا لو قال لقيت زيدا و معه عمرو فخاطبت زيدا و ناظرته و أراد بذلك مناظرة الجميع لكان ملغزا معميا لأنه لم يكن في كلامه ما يفتقر إلى عموم الكناية عنهما و لو جعل هذا نظيرا للآيات التي تقدمت لكان جاهلا لفرق ما بينها و بينه مما شرحناه فيعلم أنه لا نسبه بين الأمرين.
و شيء آخر و هو أن الله سبحانه و تعالى كنى بالهاء التالية للهاء التي في السكينة عن النبي ص خاصة فلم يجز أن يكون أراد بالأولة غير النبي ص خاصة لأنه لا يعقل في لسان القوم كناية عن مذكورين بلفظ الواحد و كناية تردفها على النسق عن واحد من الاثنين و ليس لذلك نظير في القرآن و لا في الأشعار و لا في شيء من الكلام فلما كانت الهاء في قوله تعالى وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها كناية عن النبي ص بالاتفاق ثبت أن التي قبلها من قوله فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ كناية عنه ص خاصة و بأن مفارقة ذلك لجميع ما تقدم ذكره من الآي و الشعر الذي استشهدوا به و الله الموفق للصواب بمنه