الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٤٧
سبحانه لما قال وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ علم كل سامع للخطاب أنه أرادهما معا بما قدمه من كراهة كنزهما المانع من إنفاقهما فلما عم الشيئين بذكر يتضمنهما في ظاهر المقال بما يدل على معنى ما أخره من ذكر الإنفاق اكتفى بذكر أحدهما للاختصار.
و كذلك قوله تعالى وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها[١] إنما اكتفى بالكناية عن أحدهما في ذكرهما معا لما قدمه في ذكرهما من دليل ما تضمنته الكناية فقال تعالى وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها فأوقع الرؤية على الشيئين جميعا و جعلهما سببا للاشتغال بما وقعت عليه منهما عن ذكر الله عز و جل و الصلاة و ليس يجوز أن يقع الالتباس في أنه أراد أحدهما مع ما قدمه من الذكر إذ لو أراد ذلك لخلا الكلام عن الفائدة المعقولة فكان العلم بذلك يجزي في الإشارة إليه.
و كذلك قوله تعالى وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ[٢] لما تقدم ذكر الله على التفصيل و ذكر رسوله على البيان دل على أن الحق في الرضا لهما جميعا و إلا لم يكن ذكرهما جميعا معا يفيد شيئا على الحد الذي قدمناه و كذلك قول الشاعر
|
نحن بما عندنا و أنت بما |
عندك راض و الرأي مختلف. |
|
لو لم يتقدمه قوله نحن بما عندنا لم يجز الاقتصار على الثاني لأنه لو حمل الأول على إسقاط المضمر من قوله راضون لخلا الكلام عن الفائدة فلما كان سائر ما ذكرناه معلوما عند من عقل الخطاب جاز الاقتصار فيه على أحد المذكورين للإيجاز و الاختصار.
[١]- الجمعة/ ١١.
[٢]- التوبة/ ٦٢.