الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٤٥
و لذلك نزلت السكينة عليه فيهما و حملتم أنفسكم على هذه الدعوى.
قلنا لكم و هذه كانت قصته ص في الغار فبم تدفعون ذلك فإن قلتم إنه ص قد كان محتاجا إلى السكينة في كل حال لينتفي عنه الخوف و الجزع و لا يتعلقان به في شيء من الأحوال نقضتم ما سلف لكم من الاعتلال و شهدتم ببطلان مقالكم الذي قدمناه على أن نص التلاوة يدل على خلاف ما ذكرتموه و ذلك أن الله سبحانه قال فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها[١] فأنبأ الله سبحانه خلقه أن الذي نزلت عليه السكينة هو المؤيد بالملائكة إذ كانت الهاء التي في التأييد تدل على ما دلت عليه الهاء التي في نزول السكينة و كانت هاء الكناية في مبتدأ قوله إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ[٢] إلى قوله وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها عن مكنى واحد و لم يجز أن تكون عن اثنين غيرين كما لا يجوز أن يقول القائل لقيت زيدا فكلمته و أكرمته فيكون الكلام لزيد بهاء الكناية و تكون الكرامة لعمرو أو خالد أو بكر و إذا كان المؤيد بالملائكة رسول الله ص باتفاق الأمة فقد ثبت أن الذي نزلت عليه السكينة هو خاصة دون صاحبه و هذا ما لا شبهة فيه.
و قال قوم منهم إن السكينة و إن اختص بها النبي ص فليس يدل ذلك على نقص الرجل لأن السكينة إنما يحتاج إليها الرئيس المتبوع دون التابع فيقال لهم هذا أيضا رد على الله تعالى لأنه قد أنزلها على الأتباع المرءوسين ببدر و حنين و غيرهما من المقامات فيجب على ما أصلتموه أن يكون الله سبحانه فعل بهم ما لم تكن بهم الحاجة إليه و لو فعل ذلك لكان عابثا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
قال الشيخ و هاهنا شبهة يمكن إيرادها هي أقوى مما تقدم غير أن القوم لم يهتدوا إليها و لا أظن أنها خطرت ببال أحد منهم و هي أن يقول قائل قد وجدنا
[١] ( ١- ٢)- التوبة/ ٤٠.
[٢] ( ١- ٢)- التوبة/ ٤٠.