الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٤٤
عز و جل فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها[١] فلو كان الرجل مؤمنا لجرى مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم و لو لا أنه أحدث بحزنه في الغار منكرا لأجله توجه النهي إليه عن استدامته لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله ص في المواطن الأخرى على ما جاء في القرآن و نطق به محكم الذكر بالبيان و هذا بين لمن تأمله.
قال الشيخ أيده الله و قد حير هذا الكلام جماعة من الناصبة و ضيق عليهم صدورهم فتشعبوا و اختلفوا في الحيلة للتخلص منه فما اعتمد منهم أحد إلا على ما يدل على ضعف عقله و سخف رأيه و ضلاله عن الطريق فقال قوم منهم إن السكينة أنما نزلت على أبي بكر و اعتلوا في ذلك بأنه كان خائفا رعبا و رسول الله ص كان آمنا مطمئنا و قالوا و الآمن غني عن السكينة و إنما يحتاج إليها الخائف الوجل.
قال الشيخ أدام الله عزه فيقال لهم قد جنيتم بجهلكم على أنفسكم و طعنتم على كتاب الله عز و جل بهذا الضعيف الواهي من استدلالكم و ذلك أنه لو كان ما اعتللتم به صحيحا لوجب أن لا تكون السكينة نزلت على رسول الله ص في يوم بدر و لا في يوم حنين لأنه لم يكن ص في هذين الموطنين خائفا و لا رعبا و لا جزعا بل كان آمنا مطمئنا متيقنا بكون الفتح له و أن الله عز و جل يظهره عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و فيما نطق به القرآن من نزول السكينة عليه ما يدمر على هذا الاعتلال.
فان قلتم إن النبي ص كان في هذين المقامين خائفا و إن لم يبد خوفه
[١]- التوبة/ ٤٠.