الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٣٥
فبأي شيء يدفع هذا.
فقال له الشيخ أدام الله عزه سبيل هذا القول أن يعكس و هذه القضية أن تقلب و ذلك أن النبي ص لو علم أنهما لو كانا في جمله المجاهدين بأنفسهما يبارزان الأقران و يقتلان الأبطال و يحصل لهما جهاد يستحقان به الثواب لما حال بينهما و بين هذه المنزلة التي هي أجل و أشرف و أعلى و أسنى من القعود على كل حال بنص الكتاب حيث يقول الله سبحانه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً[١].
فلما رأينا الرسول ص قد منعهما هذه الفضيلة و أجلسهما معه علمنا أن ذلك لعلمه بأنهما لو تعرضا للقتال أو عرضا له لأفسدا إما بأن ينهزما أو يوليا الدبر كما صنعا في يوم أحد و خيبر و حنين فكان يكون في ذلك عظيم الضرر على المسلمين و لا يؤمن وقوع الوهن فيهم بهزيمة شيخين من جملتهم أو كانا لفرط ما يلحقهما من الخوف و الجزع يصيران إلى أهل الشرك مستأمنين أو غير ذلك من الفساد الذي يعلمه الله تعالى و لعله لطف للأمة بأن أمر نبيه ص بحبسهما عن القتال فأما ما توهموه من أنه حبسهما للاستعانة برأيهما فقد ثبت أنه كان كاملا و أنهما كانا ناقصين عن كماله و كان معصوما و كانا غير معصومين و كان مؤيدا بالملائكة و كانا غير مؤيدين و كان يوحى إليه و ينزل القرآن عليه و لم يكونا كذلك فأي فقر يحصل له مع ما وصفناه إليهما لو لا عمى القلوب و ضعف الرأي و قلة الدين.
[١]- النساء/ ٩٥.