الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٣٣
تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[١] و قال جل جلاله وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا[٢] وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى وَ لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَ هُمْ كارِهُونَ[٣]. ثم قال سبحانه بعد أن أنبأه عنهم في الجملة وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ[٤] فدله عليهم بمقالهم و جعل الطريق إلى معرفتهم ما يظهر من نفاقهم في لحن قولهم ثم أمره بمشورتهم ليصل بما يظهر منهم إلى علم باطنهم فإن الناصح تبدو نصيحته في مشورته و الغاش المنافق يظهر ذلك في مقاله فاستشارهم ص لذلك و لأن الله جل جلاله جعل مشورتهم الطريق إلى معرفتهم.
أ لا ترى أنهم لما أشاروا ببدر عليه ص في الأسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحته كشف الله تعالى ذلك له و ذمهم عليه و أبان عن إدغالهم فيه فقال جل و تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ[٥] فوجه التوبيخ إليهم و التعنيف على رأيهم و أبان لرسوله ص عن حالهم فيعلم أن المشورة لهم لم تكن للفقر إلى آرائهم و إنما كانت لما ذكرناه.
[١]- المنافقون/ ٤.
[٢]- النساء/ ١٤٢.
[٣]- التوبة/ ٥٤.
[٤]- محمّد/ ٣٠.
[٥]- الأنفال/ ٦٧- ٦٨.