الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ٣٢
علما بأنه دونه فيما وصفناه لم يكن للاستعانة في تدبيره برأيه معنى لأن الكامل لا يفتقر إلى الناقص فيما يحتاج فيه إلى الكمال كما لا يفتقر العالم إلى الجاهل فيما يحتاج فيه إلى العلم و الآية بينة يدل متضمنها على ذلك أ لا ترى إلى قوله تعالى وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فعلق وقوع الفعل بعزمه دون رأيهم و مشورتهم و لو كان إنما أمره بمشورتهم للاستعانة برأيهم لقال له فإذا أشاروا عليك فاعمل و إذا اجتمع رأيهم على شيء فامضه فكان تعلق فعله بالمشورة دون العزم الذي يختص به فلما جاء الذكر بما تلوناه سقط ما توهمته.
فأما وجه دعائهم إلى المشورة عليه ص فإن الله أمره أن يتألفهم بمشورتهم و يعلمهم بما يصنعونه عند عزماتهم ليتأدبوا بآداب الله عز و جل فاستشارهم لذلك لا للحاجة إلى آرائهم على أن هاهنا وجها آخر بينا و هو أن الله سبحانه أعلمه أن في أمته من يبتغي له الغوائل و يتربص به الدوائر و يسر خلافه و يبطن مقته و يسعى في هدم أمره و يناقضه في دينه و لم يعرفه بأعيانهم و لا دله عليهم بأسمائهم فقال عز اسمه وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ[١] و قال جل اسمه وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ[٢] و قال تبارك اسمه يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ[٣] و قال وَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ[٤] و قال عز من قائل وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ
[١]- التوبة/ ١٠١.
[٢]- التوبة/ ١٢٧.
[٣]- التوبة/ ٩٦.
[٤]- التوبة/ ٥٦.