الفصول المختارة - الشيخ المفيد - الصفحة ١٤٤
و أما ترك أمير المؤمنين ع الأمر لأصحابه بقتل الزبير و قتاله فذلك من تفضله و منه عليه و هو كقول رسول الله ص في المن على أهل مكة و أمانهم فليس في العفو عن الجاني و ترك التعجيل لعقوبته دلالة على الرضا بفعاله بل هو دليل التفضل و الصفح للتألف و الاستصلاح.
و أما تعلقهم بما
رَوَوْا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع مِنْ قَوْلِهِ لِابْنِ جُرْمُوزٍ حِينَ جَاءَ بِرَأْسِ الزُّبَيْرِ بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ.
و أن ذلك يوجب للزبير الجنة و يدل على أنه من أهل الإيمان فأول ما في هذا الباب أنه ليس كل من وجب عليه النار بقتل نفس دل على أن النفس من أهل الجنة لأن قتل المعاهد يوجب النار و إن كان المقتول في النار و قتل الغيلة يوجب النار و إن كان المقتول في النار و قتل الكافر لشفاء الغيظ دون الديانة أو للرياء و السمعة أو للقربة إلى المخلوقين أو للعبث أو لجعله علامة لفجور أو لقتل مؤمن كل ذلك يوجب لفاعله النار و إن كان المقتول في النار و كذلك قتل الكافر الكافر يوجب النار و إن كان الكافر من أهل النار.
على أن قصة ابن جرموز في قتل الزبير و المعنى الذي وجب له به النار معروف عند من سمع الأخبار غير مختلف فيه بين نقلة السير و الآثار و ذلك
أَنَّ ابْنَ جُرْمُوزٍ كَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ مَعَ عَائِشَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع جَمَاعَةً فَلَمَّا رَأَى الدَّائِرَةَ عَلَى أَصْحَابِ الْجَمَلِ لَحِقَ بِالْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَ هُوَ بِالْجَلْحَاءِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْبَصْرَةِ مُعْتَزِلًا لِلْقِتَالِ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْأَحْنَفِ فَأَسَرَّ إِلَيْهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بِوَادِي السِّبَاعِ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْتَخْفِياً مِنَ النَّاسِ فَقَالَ الْأَحْنَفُ رَافِعاً صَوْتَهُ مَا عَسَيْتُ أَنْ أَصْنَعَ بِالزُّبَيْرِ إِنْ كَانَ بِوَادِي السِّبَاعِ وَ قَدْ جَاءَ فَقَتَلَ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَ فَتَنَهُمْ ثُمَّ انْطَلَقْ سَالِماً إِلَى الْمَدِينَةِ.