السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٦٨ - ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان أيضا
صاحبه [٥] وعزل عثمان من كان عمر ولاه، ولم ينصب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الامة ما قد كان ظهر لمن [كان] قبله، أو أخفى عنهم عيبه (كذا) والامر يحدث بعده الامر، ولكل وال رأي واجتهاد.
فسبحان الله ما أشد لزومك للاهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة [٦]، مع تضييع الحقائق، واطراح الوثائق التي هي لله تعالى طلبة [٧] وعلى عباده حجة.
فأما إكثارك الحجاج على عثمان وقتلته [٨] فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك [٩] وخذلته حيث
[٥] الضمير في (عزل) و (صاحبه) عائد إلى عمر أي فقد عزل عمر ولاة صاحبه: أبي بكر.
[٦] وفى بعض الروايات: (والحيرة المتعبة) من قولهم: (أتعبه): ادخله في التعب.
[٧] الوثائق: جمع الوثيقة - مؤنث الوثيق: المحكم -: ما يعتمد به. الاحكام في الامر. والطلبة - بفتح الطاء وكسر اللام كفرحة -: ما يطلب. وبكسر الطاء وسكون اللام: الاسم من المطالبة، يقال: (طالبة طلابا ومطالبة): طلب منه حقا له عليه. والاسم الطلب - كفرس - والطلبة - كعبرة -.
[٨] الحجاج: المخاصمة والمجادلة، وهو مصدر قولهم: (حاجه محاجة وحجاجا): نازعة. وفى النهج: (فأما اكثارك الحجاج في عثمان وقتلته) الخ.
[٩] وهو طلب دمه مكرا وخدعة لتتخذه ذريعة لجمع الناس إلى غرضك وبلوغ شهواتك من الرئاسة والسيطرة على أموال المساكين، وأعراض الغرة من المسلمين، واما حيث كان النصر يفيده وهو حي يستنصرك ويستغيث بك فقد خذلته وأبطأت عنه.
قال ابن أبي الحديد - في شرح هذا الكتاب ج ١٦، ص ١٥٤ -: روى البلاذري قال: لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده، بعث (معاوية) يزيد بن أسد القسري - جد خالد بن عبد الله بن يزيد أمير العراق - وقال له: إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل: الشاهد يرى مالا يرى الغائب، فانني أنا الشاهد وأنت الغائب قال (البلاذري) فأقام (يزيد بن أسد القسري) بذي خشب حتى قتل عثمان، فأستقدمه حينئذ معاوية، فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان ارسل معه، وانما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.
وكتب معاوية إلى ابن عباس - عند صلح (الامام) الحسن عليه السلام له - كتابا يدعوه فيه إلى بيعته ويقول له فيه: (ولعمري لو قتلتك بعثمان رجوت ان يكون ذلك لله رضا، وان يكون رأيا صوابا، فانك من الساعين عليه والخاذلين له، والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ولا بيدك أمان).
فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه: (وأما قولك: (اني من الساعين على عثمان، والخاذلين له والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني) فأقسم بالله لانت المتربص بقتله، والمحب لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ، فما حفلت به حتى بعثت إليه معذرا بأجرة (كذا) وأنت تعلم انهم لن يتركوه حتى يقتل، فقتل كما كنت أردت، ثم علمت عند ذلك ان الناس لن يعدلوا بيننا وبينك فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه وتقول: قتل مظلوما.
فان يك قتل مظلوما فأنت اظلم الظالمين، ثم لم تزل مصوبا ومصعدا وجاثما ورابضا تستغوي الجهال، وتنازعنا بالسفهاء حتى ادركت ما طلبت (وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) ١١١ / الانبياء: ٢١).