إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٩٦ - ٢٨ - و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا، و هو من محاسن الكتب
وَ قُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ اَلْجَمَلُ اَلْمَخْشُوشُ[١] حَتَّى أُبَايِعَ، وَ لَعَمْرُ اَللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ، وَ أَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَ مَا عَلَى اَلْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ[٢] فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ، وَ لاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَ هَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَاٍ، وَ لَكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا.
ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَ أَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ، وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ! أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اِسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنِ اِسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ اَلْمَنُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ؟ كَلاَّ وَ اَللَّهِ (قَدْ يَعْلَمُ اَللّٰهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاّٰ قَلِيلاً) [الأحزاب -١٨][٣].
وَ مَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً، فَإِنْ كَانَ اَلذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَ هِدَايَتِي لَهُ، فَرُبَّ مَلُومٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ[٤]:
وَ قَدْ يَسْتَفِيدُ اَلظِّنَّةَ اَلْمُتَنَصِّحُ[٥]
وَ مَا أَرَدْتُ (إِلاَّ اَلْإِصْلاٰحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلاّٰ بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود -٨٨].
[١] الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ: الَّذي جعل في أنفه الخشاش و هو عويد يجعل في أنف البعير و نحوه يشدّ به الزمام ليكون أسرع لانقياده، مشتقّ من خشّ في الشيء إذا دخل فيه لأنّه يدخل في أنف البعير.
[٢] الغَضَاضَةٍ: الذلَّة و المنقصة.
[٣] الْمُعَوِّقِينَ: أي المانعين عن القيام بنصرة الإسلام.
[٤] فَرُبَّ ملُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ: مثل، قال الميداني في فصل الراء المضمومة من مجمع الأمثال: هذا من قول أكثم بن صيفي، يقول: قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه و هم لا يعرفون حجّته فهو يلام عليه، و ذكروا أنّ رجلاً في مجلس الأحنف بن قيس قال: لا شيء أبغض إليّ من التمر و الزبد، فقال الأحنف: ربّ ملوم لا ذنب له. انتهى كلام الميداني.
[٥] الظِّنَّة الْمُتَنَصِّحُ: الظِّنّة بالكسر: التهمة، (المتنصّح) أي المتكلَّف بنصح، من لا يقبل النصيحة و المبالغ فيه له. و قد يستفيد الظَّنّة المتنصّح، مصراع بيت صدره: و كم سقت من آثاركم من نصيحة.