إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٦٦ - ٣١ - و من وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهما السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين
اَلَّذِي اِلْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلاَمِكَ إِلَى أَمْرٍ لاَ آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ اَلْهَلَكَةَ، وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اَللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَ أَنْ يَهْدِيَكَ، لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ.
وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اَللَّهِ وَ اَلاِقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اَللَّهُ عَلَيْكَ، وَ اَلْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ اَلْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَ اَلصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّر،ٌ ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى اَلْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا، وَ اَلْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ، لاَ بِتَوَرُّطِ اَلشُّبُهَاتِ، وَ عُلَقِ اَلْخُصُومَاتِ. وَ اِبْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاِسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ، وَ اَلرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ، وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ[١] أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلاَلَةٍ.
فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ، وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً، فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ.
وَ إِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ اَلْعَشْوَاءَ[٢]، وَ تَتَوَرَّطُ اَلظَّلْمَاءَ. وَ لَيْسَ طَالِبُ اَلدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ، وَ اَلْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ.
فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَ اِعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ اَلْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ اَلْحَيَاةِ، وَ أَنَّ اَلْخَالِقَ هُوَ اَلْمُمِيتُ، وَ أَنَّ اَلْمُفْنِيَ هُوَ اَلْمُعِيدُ، وَ أَنَّ اَلْمُبْتَلِيَ هُوَ اَلْمُعَافِي، وَ أَنَّ اَلدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلاَّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اَللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ اَلنَّعْمَاءِ، وَ اَلاِبْتِلاَءِ، وَ اَلْجَزَاءِ
[١] الشَّائِبَة: الوهم.
[٢] تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ: كناية عن ارتكاب الخطر.