إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٧٠ - ذكر الموت
رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ اَلْأَعْمَارِ، وَ صِحَّةِ اَلْأَبْدَانِ، وَ سَعَةِ اَلْأَرْزَاقِ. ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اِسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ، أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ ،وَ اِسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ[١] رَحْمَتِهِ، فَلاَ يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ اَلْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ اَلنِّيَّةِ. وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ اَلْإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ اَلسَّائِلِ، وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ اَلْآمِلِ. وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ اَلشَّيْءَ فَلاَ تُؤْتَاهُ، وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ. فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ، فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَ لاَ تَبْقَى لَهُ.
وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لاَ لِلدُّنْيَا، وَ لِلْفَنَاءِ لاَ لِلْبَقَاءِ، وَ لِلْمَوْتِ لاَ لِلْحَيَاةِ، وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلٍ قُلْعَةٍ[٢] وَ دَارِ بُلْغَةٍ[٣]، وَ طَرِيقٍ إِلَى اَلْآخِرَةِ، وَ أَنَّكَ طَرِيدُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَ لاَ يَفُوتُهُ طَالِبُهُ. وَ لاَ بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.
يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ، وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَ تُفْضِي بَعْدَ اَلْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ[٤]، وَ لاَ يَأْتِيَكَ بَغْتَةً
[١] الشَاَبِيبَ: الدفعات من المطر الغزير.
[٢] مَنْزِلٍ قُلْعَةٍ: يقال: هذا منزل قلعة بضمّ القاف و سكون اللَّام: ليس بمستوطن، و يقال: هم على قلعة، أي: على رحلة.
[٣] البُلْغَة: قدر الكفاية من المعاش.
[٤] الأَزْرَ: الظّهر و القوّة.