إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٨٣ - ٢١ - و من كتاب له عليه السلام إلى أيضا
[٢١]
و من كتاب له عليه السلام
إلى أيضا
فَدَعِ اَلْإِسْرَافَ[١] مُقْتَصِداً[٢]، وَ اُذْكُرْ فِي اَلْيَوْمِ غَداً، وَ أَمْسِكْ مِنَ اَلْمَالِ بِقَدْرِ
[١] الإِسْرَافَ: السّرف: ضدّ القصد، و قال الراغب: السّرف تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان و إن كان ذلك في الإنفاق أشهر، قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا) [الفرقان - ٦٧]... - (وَ لاٰ تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً) [النساء - ٦]، و يقال: تارة اعتباراً بالقدر، و تارة بالكيفيّة و لهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف و إن كان قليلاً، قال الله تعالى: (وَ لاٰ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ) [الأنعام - ١٤١]... - (وَ أَنَّ اَلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ) [غافر - ٤٣] أي المتجاوزين الحدّ في أمورهم، و سمّى قوم لوط مسرفين من حيث إنّهم تعدّوا في وضع البذر في الحرث المخصوص له المعنيّ بقوله تعالى: (نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) [البقرة - ٢٢٣]، و قوله في القصاص (فَلاٰ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ) [الإسراء - ٣٣]، فسرفه أن يقتل غير قاتله إمّا بالعدول عنه إلى من هو أشرف منه أو بتجاوز قتل القاتل إلى غيره حسبما كانت الجاهليّة تفعله.
قال السيّد نعمة الله الجزائري في فروق اللّغات: الإسراف و التبذير: قيل التبذير إنفاق المال فيما لا ينبغي، و الإسراف صرفه زيادة على ما ينبغي، و بعبارة أخرى الإسراف تجاوز الحدّ في صرف المال و التبذير إتلافه في غير موضعه فهو أعظم من الإسراف و لذا قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ اَلشَّيٰاطِينِ) [الإسراء - ٢٧] قيل: و ليس الإسراف متعلّقا بالمال فقط بل بكلّ شيء وضع في غير موضعه اللَّائق به، أ لا ترى أنّ الله وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث فقال: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجٰالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ اَلنِّسٰاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) [الأعراف - ٨١] و وصف فرعون بالإسراف بقوله: (إِنَّهُ كٰانَ عٰالِياً مِنَ اَلْمُسْرِفِينَ) [الدخان - ٣١]، أقول: و يفهم من بعض الأخبار أنّ الإسراف على ضربين: حرام و مكروه فالأوّل مثل إتلاف مال و نحوه فيما هو فوق المتعارف، و الثاني إتلاف شيء ذي نفع بلا غرض و منه إهراق ما بقي من شرب ماء الفرات و نحوها خارج الماء و قد روي ذلك عن عليّ عليه السّلام. انتهى قوله.
فتحصّل أنّ الإسراف تجاوز الحدّ في كلّ ما يفعلها الإنسان من أفعاله سواء كان متعلّقه مالاً أو غير مال، و التبذير إتلافه و تضييعه في غير موضعه و إذا لم يكن على سبيل الإتلاف و الإفساد بأن يكون صرفه على الإصلاح لا يسمّى تبذيراً.
[٢] مُقْتَصِداً: القصد و الاقتصاد واسطة الأمور، قال سالم بن وابصة (الحماسة ٢٤٤):
عليك بالقصد فيما أنت فاعله إنّ التخلَّق يأتي دونه الخلق
قال المرزوقيّ في الشرح: القصد: واسطة الأمور، فما تعدّاه سرف و ما انحطّ عنه قصور، و لذلك قيل لمن ليس بجسيم و لا ضئيل، و ليس بقصير و لا طويل: هو قصد و مقتصد، و قال في شرح الحماسة (٩): القصد ما لا سرف فيه، و لذلك قيل: اقتصد في كذا، و طريق قاصد إذا كان على حدّ الاستواء، و من كلامهم: ضلّ عن قصد الطريق، كما قيل: ضلّ عن سواء السبيل قال الراجز الحصين بكير الربعي:
إنّي إذا حار الجبان الهدره ركبت من قصد الطريق منجره
قال ابن الأثير في النهاية: في الحديث ما عال مقتصد و لا يعيل، أي ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق و لا يقتر، انتهى. و قال الأمير عليه السّلام لهمّام في الخطبة ١٩١ من النهج في وصف المتقين: منطقهم الصواب، و ملبسهم الإقتصاد.