إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٦٤ - ٣١ - و من وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهما السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين
يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ.
فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اَللَّهِ - أَيْ بُنَيَّ - وَ لُزُومِ أَمْرِهِ، وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَ اَلاِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ؟.
أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ، وَ ذلله بِذِكْرِ اَلْمَوْتِ، وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ اَلدُّنْيَا، وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ اَلدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اَللَّيَالِي وَ اَلْأَيَّامِ، وَ اِعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ اَلْمَاضِينَ، وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ، وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ، فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا اِنْتَقَلُوا، وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ اِنْتَقَلُوا عَنِ اَلْأَحِبَّةِ، وَ حَلُّوا دِيَارَ اَلْغُرْبَةِ، وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ. فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ[١]، وَ لاَ تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ، وَ دَعِ اَلْقَوْلَ فِيمَا لاَ تَعْرِفُ، وَ اَلْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ. وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ، فَإِنَّ اَلْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ اَلضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ اَلْأَهْوَالِ. وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَ أَنْكِرِ اَلْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ، وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَ جَاهِدْ فِي اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَ لاَ تَأْخُذْكَ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ. وَ خُضِ اَلْغَمَرَاتِ[٢] لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَ تَفَقَّهْ فِي اَلدِّينِ، وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ اَلتَّصَبُّرَ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ، وَ نِعْمَ اَلْخُلُقُ اَلتَّصَبُرُ فِي اَلْحَقِّ وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ، فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ، وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ. وَ أَخْلِصْ فِي اَلْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ اَلْعَطَاءَ وَ اَلْحِرْمَانَ، وَ أَكْثِرِ اَلاِسْتِخَارَةَ، وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، وَ لاَ تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً، فَإِنَّ خَيْرَ اَلْقَوْلِ مَا نَفَعَ. وَ اِعْلَمْ أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَ لاَ يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لاَ يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ.
[١] المَثْوَى: محلّ الإقامة.
[٢] الْغَمَرَاتِ: جمع الغمرة: و هي اللَّجة في البحر، و كناية عن الشدّائد.